إنها الرابعة عصرا، يدخل الأب إلى المنزل، يُلقي بنفسه على الأريكة المقابلة ويضع المفاتيح وهاتفه الذكي على الطاولة المجاورة، كان يومَ عمل طويلا حقا، وخلال الأسبوعين الماضيين كانت الشركة التي يعمل بها تضغط خطة زمنية لتطوير منظومة التسويق الجديدة، الأمر الذي تطلّب الكثير من التركيز والتواصل، قبل أن تنساب بقية الأفكار إلى دماغه حول الأمر أقبل طفلان من الغرفة المجاورة إليه واحتضناه بفرحة. لم يتمكَّن الأب من استقبالهما جيدا، حيث انطلق إشعار جديد من هاتفه بعد ثوانٍ، إنها رسالة عمل، أو ربما من صديق، أو فقط أحدهم يرد على منشور كان قد كتبه على صفحة فيسبوك الخاصة به قبل ساعات، يجب أن يتفحّص الأمر.

 

“خلال دراساتي أحاور الكثير من الآباء، ويخبرونني أن تصفُّح الهاتف الذكي هو أمر مثير عاطفيا، ورغم أنه يكون مصدرا للضغط والإزعاج فإنه آلية للتواصل كذلك، وللاسترخاء”، هذا ما قالته جيني رادسكي، الطبيبة بمستشفيات جامعة ميتشجن والأستاذة المساعدة بقسم النمو السلوكي لدى الأطفال، في حديثها مع محرر “ميدان“، مضيفة أن ما يشغل بالها حقا هو الطريقة التي غيّرت بها الهواتف الذكية العلاقة ما بين الآباء والأبناء (بعض أبحاث رادسكي1،2،3،4،5،6).

 

في إحدى التجارب قامت رادسكي ورفاقها بتحليل استقصاءات أجراها الآباء والأمهات من 170 أسرة سُئلوا خلالها عن معدلات استخدامهم للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وأجهزة الحاسوب المحمولة، وغيرها من التقنيات الرقمية، اهتمت الاستقصاءات كذلك بالأوقات التي فعلوا فيها ذلك، على سبيل المثال: الرسائل أثناء وقت الطعام أو وقت اللعب أو الأنشطة الروتينية كاستذكار الدروس مع الأطفال أو المحادثات مع أطفالهم في العموم.

جاءت النتائج لتقول إن 90% من الآباء والأمهات ينقطعون عن أطفالهم مرة واحدة على الأقل خلال اليوم، بل إن نصف العينة قال إنها ثلاث مرات، وبتحليل عدد من الإجابات الإضافية لهم وجدت الدراسة ارتباطا واضحا بين استخدام الآباء للهواتف الذكية ومشكلات الأطفال، حتى الكميات المنخفضة أو التي تبدو طبيعية من الانقطاعات عن الأطفال، والمتعلقة بالتكنولوجيا الرقمية في العموم، كانت مرتبطة بمشكلات سلوكية لدى الأطفال، مثل الحساسية المفرطة، والانفعال الشديد، وفرط النشاط، والأنين.

 

تقول رادسكي في حوارها مع محرر “ميدان“: “انشغال الآباء والأمهات عن أطفالهم بسبب الهواتف الذكية هو مشكلة حقيقية”، مضيفة أن “أكثر من نصف الأطفال في التجارب التي أجريناها يتحدثون عن شعورهم بعدم الأهمية، بسبب إحساسهم أن الأب أو الأم يهتمون أكثر بالهاتف الذكي”.

 

في مجموعة أخرى مثيرة للانتباه من التجارب، رُوقِب عدد من العائلات في مطاعم ماكدونالدز بكاميرات على مسافة قريبة. أثناء الطعام وجدت النتائج أن الآباء والأمهات استخدموا الهواتف الذكية في 70% من الحالات، وفي أكثر من ثلث الحالات رفع الأب أو الأم الهاتف بحيث أصبح مواجها تماما لوجوههم، منشغلا تماما عن محيطه، بما في ذلك الأبناء، يؤدي ذلك بالتبعية إلى درجة تواصل أقل بفارق واضح بين الآباء والأبناء، أضف إلى ذلك استجابة غاية في البطء من الآباء تجاه أبنائهم.

 

يمكن هنا أن نفهم مشكلة الأطفال مع هواتف أبويهم الذكية، انفصال الأب أو الأم عن حديث مع الطفل يوتّره وقد يدفعهم لمحاولة لفت الانتباه بأية طريقة ممكنة عبر الإلحاح أو إساءة التصرُّف، في المقابل يرد الآباء الممسكون بالهواتف الذكية على أبنائهم بدرجات عنف أكبر مما لو كانوا لا يحملونها، كأن يرفع الأب أو الأم الصوت مع ردود حادة.

 

لكن المشكلة الأكبر، بحسب رادسكي في حوارها مع “ميدان“، لا تتعلّق فقط بقدر انعزال الآباء عن أطفالهم، بل تمتد إلى طبيعة الحوارات المنزلية بين الآباء والأبناء عن الهواتف الذكية. في تجربة شملت 75 أسرة، سُجِّلت خلالها حواراتهم المنزلية ثم حُلِّلت، كشفت رادسكي ورفاقها أن الحوارات حول الهواتف الذكية تكون فقط عن كيفية استخدام تلك الأدوات. على سبيل المثال، موضوعات مثل كيفية الشحن، أو عرض الفيديو، أو الرجوع للخلف، أو لعب “كاندي كراش”، إلخ.

على الجانب الآخر، فإن الحديث عن المحتوى الذي يُقدِّمه الهاتف الذكي لا ينتشر كثيرا بين طفل وأبيه أو أمه، وهو أمر غريب حقا، هل لاحظته من قبل؟ عادة ما يرفض الآباء مشاهدة الأطفال للتلفاز مثلا، لكنهم يوافقون على يوتيوب، بل إن الهاتف الذكي في بعض الأحيان يكون بديلا للتلفاز، ولو قررت تأمل قائمة الفيديوهات الأكثر مشاهدة على يوتيوب لوجدتها جميعا أغنيات شهيرة جدا، لكن في المرتبة الرابعة ستلتقي بإحدى حلقات مسلسل أطفال “ماشا والدب”، شوهدت قرابة 5 مليارات مرة!

 

يوتيوب الآن هو أكبر جليس أطفال في العالم، الأغرب من ذلك أن الكثير من الآباء يظنون أن هذه الهواتف الذكية في العموم هي أداة تعليمية بشكل ما، لكن في الواقع فإن ذلك خطأ كبير، تقول رادسكي في حديثها مع محرر “ميدان“: “يتعلم الأطفال اللغة، ويتعلمون عن عواطفهم الخاصة، عن كيفية تنظيمها وإدراكها والتعامل معها، من خلال محادثاتهم البسيطة مع ذويهم ومراقبة وجوههم أثناء المحادثات الفعّالة”، وتضيف قائلة: “وحينما تأخذ الشاشة الكثير من وقت التعلُّم الفعّال واستكشاف العالم جسديا من خلال اللعب فإن ذلك لا شك سوف يُحدِث أثرا بالمقابل”.

معظم التطبيقات الموجودة على الهواتف الذكية لا تُحفِّز نوعا من اللعب يتشابك فيه الآباء مع أبنائهم، بل هي مُصمَّمة فقط للفت انتباه شخص واحد، وبذل كل الجهد الممكن في تثبيت هذا الانتباه إليها عبر الألوان وأهازيج الضوء، ما يؤثر بقوة في الاستفادة الإدراكية التي يمكن أن يُحقِّقها طفل في سن صغيرة.

 

وترى رادسكي كذلك أن هناك مشكلة رئيسية تواجه محاولاتنا لدمج الأطفال مع التقنية الرقمية، فتقول لمحرر “ميدان” إنه قد “أُنشِئت معظم تقنيات الهواتف النقالة التفاعلية من قِبَل مهندسي الحاسوب الذين يرون العالم بطريقة علمية ومنطقية للغاية”، لكن الأطفال ليسوا منطقيين، بل يُكوِّنون علاقات سحرية ومندفعة في عالمهم الاجتماعي، بالتالي فإن الطريقة التي صُمِّمت بها البيئة الرقمية قد لا تكون مناسبة لعقول الأطفال الصغار.

اعلان

 

تمتد تلك الفرضية لتؤثر في تطور الطفل معرفيا كلما ازداد عدد ساعات تشغيل الشاشة، حيث ينتقص ذلك بوضوح من درجات انتباهه أثناء التعلُّم، سواء عبر اللعب مع الأم والأب أو حتّى دون وجودهما، كما أنه يُقلِّل بدرجة واضحة من كم اللعب المعقد في حياة الطفل. الفكرة ببساطة أنه طالما وُجِد شيء لافت للانتباه، فإن الطفل في خطر.

يصل الأمر إلى درجة أننا بِتْنا الآن نعرف اصطلاحا باسم “اضطراب نقص الطبيعة”، وهو حالة يفقد فيها الطفل الصلة مع الطبيعة، ليست مرضا بالمعنى المفهوم، لكن استغراق الأطفال في ساحات لعب إلكترونية فوّت عليهم فرصة ذهبية للتعلُّم من الطبيعة نفسها ومفاجآتها غير المتناهية، فوّت عليهم اللعب بالدراجة والجري في الحديقة مع الآخرين واستكشاف الأشجار وأنواع الصخور، إن طبيعة الأطفال تدفعهم لذلك، لكن كل ساعة مع هاتف ذكي هي ساعة دون تفاعل حقيقي مع الطبيعة.

 

لذلك سيكون لافتا للنظر أن نجد أنه في الطبقات الأكثر فقرا والأقل في المستويات التعليمية تكون للألعاب الرقمية على الهاتف أهمية أكبر من الألعاب العادية والكتب في حجرة الطفل، كذلك فإنهم يستخدمون الهواتف الذكية، والشاشات في العموم، بمعدل 3 ساعات إضافية يوميا عن الفئات الأكثر تعليما والأقل فقرا، قد يجيب ذلك -بجانب عوامل أخرى كثيرة- عن المشكلات التي تواجهها تلك العائلات مستقبلا مع التعليم.

 

الأسوأ من ذلك هو الإحصاءات عن الأمر، في المتوسط فإن الأطفال من 6-12 سنة يستخدمون الشاشات في العموم (سواء كانت حاسوبا مكتبيا أو محمولا أو هاتفا ذكيا أو تلفازا) لمدة 6 ساعات في اليوم، والمراهقين من سن 13-18 سنة يستخدمونها لمدة 9 ساعات في اليوم، بل إن 75% من الأطفال يحصلون على هاتف ذكي أو جهاز لوحي بحلول الرابعة من عمرهم، و97% منهم يتعرّضون لها بحلول هذه السن (كانت بحوزتهم أو من خلال هاتف الآباء)، أما الآباء والأمهات، في وجود أو عدم وجود أبنائهم، فيستخدمون الشاشات لمدة 10 ساعات يوميا، في أي عالم نعيش؟!

تقول رادكسي لمحرر “ميدان“: “عندما يرتبط الأطفال بشدة مع أجهزتهم اللوحية ويرفضون فعل أي شيء آخر، فإنه الوقت المناسب لوضعها بعيدا والذهاب للخارج”، وتُضيف بعد قليل: “شغل الموسيقى الراقصة، أطلق النكات، أو افعل أي شيء آخر يجعلكما تشعران بالسعادة والتواصل العميق بينكما”.

 

في الواقع، رغم أن هذا النوع من الدراسات يُعبِّر عن ارتباطات لا تعني بالضرورة السببية، فإن المؤشرات الأولى لوجود الهواتف الذكية وتطبيقاتها مثل إنستغرام وفيسبوك وتويتر في حياة الأطفال ليست مُبشِّرة، بل إن بعض الدراسات قد أشارت إلى أن استخدام الهاتف الذكي مدة أكثر 3 ساعات في اليوم تجعل الأطفال أكثر عُرضة للشعور باليأس والإحباط والوحدة، أو حتّى التفكير في الانتحار!

 

هل يمكن أن تتصور الحياة بدون إنترنت وهواتف ذكية؟ بالطبع لا، سوف تتوقف الحياة تقريبا، ونحن أيضا لا نريد أن نوقفها، لأن ذلك لن يقطع عنا سيل فوائدها الجارف فقط، بل سيقطعنا نحن أيضا عن العالم المتواصل مع بعضه بصورة فائقة، على الطفل أن يتعلم مهارات التعامل مع الإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية من سن مناسبة، لكن الفكرة هي أن نلفت الانتباه لما يظن الناس أنه غير مؤثر بالمرة في أطفالهم، لكنه ليس كذلك.

 

في ختام حديثها محرر مع “ميدان“، تقول رادسكي: “أود فقط أن أشجِّع الآباء على التعامل مع هذه الأدوات كمستهلكين أذكياء”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *