قال  المهندس الخبير في استكشاف المحروقات وإنتاجه والمستشار السابق لوزير الطاقة والمسؤول المكلف بملف المحروقات والعضو باللجنة التنفيذيّة تانس، حامد الماطري، إن السنوات الماضية شهدت مغادرة العديد من شركات النفط العالميّة الكبرى والمتوسطة البلاد، لتتخلى عن حصتها لفائدة شركات صغرى، لينضاف هذا التوجه، إلى جملة الصعوبات، التّي يواجهها القطاع ككل

وأضاف الماطري، في حوار مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء، ”لا أخفي سرّا فإن شركتي “اني” و”شال” الوحيدتين اللتين تعملان بتونس، وتبحثان عن مشترين لحصصهم، وقامت بدورها شركة “او ام في” ببرنامج للتخلي عن استثماراتها وبيع حصصها في المشاريع المشتركة، لتقتصر أنشطتها على حقل نوّارة ومحيطه، كما يبدو أن الشركات الصغيرة قد فقدت الصبر والأمل وتفكر في الرحيل هي الأخرى”

وأوضح أنه يعتقد أن ثلاثة أسباب رئيسيّة ولّدت خيبة الأمل لدى شركات النفط، أوّلها المشاكل المالية تبعا للانخفاض المتتالي في أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة، مقابل ارتفاع كلفة التشغيل، نسبيّا، في تونس، ومن ناحية أخرى التأخيرات، التي باتت متكررة، في الدفوعات من قبل الطرف التونسي (كذلك الأمر بالنسبة للالتزامات مع الشركة التونسية للأنشطة البترولية والشركة التونسية للكهرباء والغاز)

ثانيا، توجد صعوبات في التعامل مع الهيئات الوطنية، وغياب رؤية إستراتيجية للقطاع تنضاف إلى المشاكل، التّي تفاقمت بسبب عدم الاستقرار السياسي وتولّي عشرة وزراء مهمّة الطّاقة منذ سنة 2011، علاوة على إنشاء مرتين لوزارة الطاقة وحلها وإعادة إنشائها

ثالثًا، لقد أصبحت المشاكل الاجتماعية والأمنية علاوة على الإضرابات المتزايدة والمتكرّرة وتعمّد غلق الطرقات والاضطرابات الاجتماعية، تهدد سلامة التجهيزات البترولية والأنشطة وتسوية وضعيات الموظفين، مقابل عجز الدولة عن فرض النظام والقانون، وليكون اعتصام الكامور في الحقيقة مجرد حلقة واحدة من سلسلة طويلة من الأحداث المماثلة

وأشار إلى أنه ”من الطبيعي في ظل ظروف مماثلة وللأسف، أن تخشى الشركات على مصالحها وتحبذ الاستثمار في مكان آخر”

وتابع قائلا: ”باختصار، لقد جابه المستثمرون في قطاع النفاط جل أنواع العراقيل (مشاكل اجتماعية وسياسية و”إدارة الأراضي” و إضرابات ومعوقات ونزاعات تعاقدية وضغوط وتأثيرات سياسية) وهذه هي الوصفة المثالية لتحويل أي مشروع واعد إلى خسارة فادحة. ومن الطبيعي أن لا يقدم أي شخص على الالتزام باستثمار إذا لم يكن متأكدا مما إذا كان سيتمكن من تحقيق الدخل المرجو تحقيقه”

وقال الماطري: ”بصفتنا تونسيون مفعمون بالحس الوطني، نحاول دوما تعديل الوضع، عبر الترويج لصورة مغايرة تماما للوضع، الذي تمر به البلاد وأقل إثارة للقلق إزاءه، ولكن دعني أخبرك أن الوضع قد بات مستحيلا لدرجة أن أربع من الحملات الخمس الأخيرة للزلازل (الخطوة الأولى في عملية التنقيب عن النفط) تم إجهاضها (مع أجزاء جافة بملايين الدولارات لكل منها) بسبب القوة القاهرة (مرتبطة بالمشاكل الاجتماعية والعوائق والإضرابات والوصول إلى الأرض)”

ولفت إلى أن الشركة التونسية للأنشطة البترولية قد اضطرت إلى التخلي عن استكمال المسح الزلزالي، المتعلّق برخصة منطقة “الشعّال”، لأسباب قاهرة، وان لم نعد قادرين على الاستكشاف فمن الطبيعي ألا يكون هناك المزيد من الاكتشافات أو الإنتاج

من جهة أخرى، أكّد أن دخول عدد من الحقول في تونس مؤخرا حيز الانتاج، والمتمثّلة في نوارة (غاز، الجنوب التونسي) وحلق المنزل (نفط، خليج الحمامات)، يؤكد جليّا الهنّات التي تشوب القطاع، على الرغم من أنها مشجعة

وقال حامد الماطري: اعتبر البعض أن تنبيه الخبراء بـ”احتضار” القطاع مبالغ فيه. لكن تعدّ “بداية النهاية” تهديدا حقيقيا في الوقت الحالي. ولا يرتبط هذا الوضع بنضوب الموارد في البلاد، رغم أن الحقول البتروليّة تستنفذ مخزونها، بل يتعلق الاشكال بتجديد هذا المخزون

وأكّد الخبير أن تونس بالإمكانيات تزخر في الجنوب وخليج قابس والساحل الشمالي ولا تفتقر للموارد بل تحتاج الى البحث عنها واستكشافها مسبقا، مضيفا ”أنا شخصيّا على يقين بأنّنا نمتلك الامكانيّات الكفيلة بتعديل عجز الميزان الطاقي وعكس المنحى السلبي في غضون السنوات المقبلة. لكن يتطلب ذلك استعادة نسق البحث وتوفير كافة الظروف الملائمة لحثّ المستثمرين على الاستكشاف، لكن للأسف تفصلنا اشواط عن ذلك”

واعتبر أن القطاع يعاني من صعوبات تعود الى ما قبل الثورة، وتتجاوز الإطار الضيق للفصل 13 من الدستور الجديد، مبرزا أن ”البيانات واضحة والتباطؤ المسجل على مستوى عمليّات الاستكشاف أو الإنتاج يعود إلى ما هو أبعد من ذلك”

وتابع قائلا: ”يشهد القطاع صعوبات حقيقية في الحوكمة. وتتمثل اساسا في توزيع المهام أو تشابك الأدوار بين الشركة التونسية للأنشطة البترولية والوزارة المعنية. فقد ألقت كل من محدودية الأحكام الواردة بمجلة المحروقات وغموض وتعقد الاجراءات وجمود الأطر الهيكلية والقانونية، بثقلها على جاذبية القطاع واستقطاب المستثمرين. وبعد اندلاع الثورة في تونس، زاد الفصل 13 من الدستور الجديد والاحتجاجات الاجتماعية وجميع الحملات الموجّهة ضد القطاع في تأزم الأوضاع الصعبة”

وبشأن انعكاسات هذا الانسحاب على القطاع وعلى صورة تونس، قال الماطري: ” لدينا نزعة، أحيانا، في تناسي أن الاستثمارات الأجنبيّة في قطاع المحروقات تعدّ الأهم على مستوى الأرقام. ورغم ذلك فإن حقل نوّارة، مثلا، هو المشروع الوحيد، الذّي تمّ تنفيذه في تونس بقيمة استثماريّة تقدّر ب1 مليار دولار منذ سنة 2011”

وأضاف: ”حين تفقد الشركات المتعددة الجنسيّات المتمرّسة والمطلعة بشكل جيّد عمّا هو حولها والمدعومة من سفاراتها وفي استماع للمسؤولين الأول عن الحكومة، الثقة في البلد فإنّه يصعب إقناع الشركات الاصغر حجما على القدوم والاستثمار. لقد تمّ تداول صور اعتصام الكامور في كلّ أصقاع الدنيا (من حسن الحظّ أنّه لم تحصل أي صدامات أو عنف) وأعطت صورة بلد غير قادر على المحافظة على حقوق المستثمرين وحتّى المحافظة على مصالحه الاستراتيجية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *