النهار نيوز/التونسيّون يكافحون بلا أسلحة بعد فقدان الغذاء..المواطن يفقد الدواء الشركات العالمية تغادر تونس..وتونس مقبلة على كارثة

تونس-النهار نيوز

 

المتصفح لمواقع التواصل الاجتماعي في تونس اليوم لم يعد يطالعه من يبحث عن شراء كيلو سكّر أو باكو حليب أو باكو قهوة أو..أو..، بل أصبحنا نرى نداءات وتدوينات لمرضى يبحثون عن عدّة أدوية مختلفة من بينها أدوية عديد الأمراض المزمنة والخطيرة. والبعض الآخر يبحث عن ضالته حتى خارج تونس لعدم توفر الدواء في الصيدليات، وحتى بعض الجمعيات باتت تساعد على نشر نداءات للبحث عن بعض أنواع الأدوية المفقودة.

ففي ظلّ فقدان العديد من المواد الغذائية الاساسية، أصبح التونسي اليوم يعاني فقدان الدواء إذ تتفاقم  الأزمة يوماً بعد يوم. وبات المرضى يبحثون عن بدائل لتأمين الأدوية المفقودة من خلال الاستعانة بأشخاص خارج تونس أو غير ذلك.

ويواجه العديد من التونسيين خلال هذه الفترة عدّة مشاكل في توفير بعض أنواع الأدوية التي باتت مفقودة بشكل كبير في العديد من الصيدليات الخاصة وحتى في المستشفيات ومراكز الصحة الأساسية الصغيرة في الجهات الداخلية، من بينها العديد من أدوية الأمراض المزمنة والخطرة التي لا يجب على مصابي تلك الأمراض الانقطاع عنها ولو لبضعة أيام، على غرار مرضى السكري وضغط الدم وحتى مرضى السرطان.

فالعديد من المرضى أطلقوا مبادرات وحملات على مواقع التواصل للبحث عن أدوية مفقودة يحتاجون إليها، ومعظمهم يبحثون عن أدوية خاصة بالأمراض المزمنة على غرار السكري وضغط الدم والكولسترول ، في وقت يبحث العديد من المرضى عن أدوية السرطان.

ويرى مراقبون أنّ هذا الوضع الخطير الذي بات يهدد صحة المواطن وحياته يدعو لزاما إلى إصلاح جذري لمنظومة التصرف في الأدوية من خلال إصلاح الهياكل المتدخلة في العملية من الصناديق الاجتماعية والصندوق الوطني للتأمين على المرض والصيدلية المركزية؛ ويعتبر الأمر كارثة وطنية حين يتوجه قرابة الـ 500 ألف تونسي  يوميا إلى الصيدليات، لتفاجأوا بأن أكثر من 200 نوع من الأدوية صارت مفقودة في الصيدليات التونسية. فمشكل توفر الأدوية بات مقلقًا خلال السنوات الأخيرة، ولافتًا للانتباه خلال الأشهر القليلة الماضية. وقد تم خلال الفترة الأخيرة تسجيل فقدان الكثير من الادوية من بينها أدوية الأمراض المزمنة والخطيرة، حسب ما يبلغ من نداءات للمساعدة على إيجاد بعض الأدوية أو تشكيات من فقدان بعضها.

تهديدات..

أفاد رئيس نقابة شركات الأدوية المتجددة والبحوث أمين زغدودي بأن 3 شركات أدوية عالمية قررت عدم مواصلة الاستثمار في تونس وذلك خلال الفترة من سبتمبر إلى أكتوبر 2022.

وأضاف أمين زغدودي أن شركات أخرى تهدد بالمغادرة في الأسابيع القادمة وهو ما سيحيل تونس إلى وضعية مستقبلية “كارثية” حسب تقديره تهدد أمنها الدوائي وفرص الحصول على أسعار تفاضلية للأدوية المتجددة ومهلة الخلاص.

ولفت في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، إلى أن تونس تعيش أزمة عميقة في قطاع الأدوية يمكن أن تتعمق أكثر في أفق 2023 في حال لم يتم التجاوب معها من قبل السلطات الرسمية والمحافظة على مواطن الاستثمار الحالية في المجال.

وأفاد الزغدودي بأن 20 شركة أدوية عالمية تنشط حاليا في تونس في مجال تسهيل دخول الأدوية المتجددة إلى تونس واستعمالها ويتم عن طريقها توفير 50 بالمائة من الأدوية المستعملة في تونس، قررت 3 شركات منهاعدم مواصلة الاستثمار في تونس وهي شركات معنية بأدوية الأمراض المزمنة ومختلف أنواع السرطان.

وبيّن أن قطاع الأدوية في تونس مهدد في ظل غياب استثمارات جديدة، لافتا إلى أن المعضلة تبقى في كيفية الحفاظ على مواطن الاستثمار الحالية التي توفر لتونس فرص الحصول على أسعار تفاضلية للأدوية المتجددة وتمكن من مهلة خلاص إلى جانب استفادة المخابر المحلية بتصنيع الأدوية الجنيسة لهذه الشركات الأجنبية.

 

 

نداءات..

توجهت العديد من الجمعيات  على غرار الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بنداء إلى وزارة الصحة لتوفير الأدوية في المؤسسات الصحية العمومية وتمكين مليون شخص يعانون من أمراض مزمنة من حقهم في الدواء، مؤكدة أنّه “على الرغم من الإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة في الفترة الأخيرة، لتطوير مخزون استراتيجي كافٍ من مختلف الأدوية يغطي مدة تتجاوز ثلاثة أشهر، فإنّ الواقع يبيّن أنّ هذه الإجراءات لم تنعكس على المرضى الذين يراجعون مراكز الصحة الأساسية”.

 

كذلك، ذكرت الجمعيات أنّ “سبب النقص المزمن في الأدوية لدى القطاع العمومي يتمثل أساسًا في ضعف الميزانيات المرصودة للأدوية”، مشيرة إلى أنّ “الوضع ازداد تفاقماً في الفترة الأخيرة من جراء تأخر أو تخلي مختبرات التصنيع المحلي للأدوية عن التزاماتها بتزويد الصيدلية المركزية بالأدوية، بحسب جدولة منصوص عليها في طلبات العروض الخاصة بحاجيات الهياكل الصحية العمومية، والتي فتحتها الصيدلية المركزية في غضون 2019 (بعنوان 2020 أو 2020- 2021) وشاركت فيها هذه المختبرات”.

 

الأسباب عديدة..

لطالما يتحدّث مختصّون على أنّ أسباب فقدان الادوية في تونس متشعبّة وعديدة ولا يمكن حصرها في جهة واحدة فقط؛ ولكن من أهمّ أسباب فقدان الدواء هو الصعوبات المالية التي تمرّ بها الصيدلية المركزية، مع العلم أنّ الأدوية المفقودة هي تلك التي يتم توريدها بشكل كامل ولا يمكن تصنيعها في تونس وتصنف ضمن أدوية الأمراض المزمنة كالسكري وضغط الدم او الأمراض النادرة، وسبق وان بلغ  عدد الأدوية المفقودة بشكل كامل بين 250  و500دواء.

فتسجيل هذا النقص على المستوى الوطني يعود إلى عدة عوامل، بينها ما هو مرتبط بمصنعي الأدوية الذين يواجهون بدورهم صعوبات في استيراد بعض المواد الأولية لصناعة الأدوية، بسبب الاضطراب الحاصل في هذه السوق على المستوى العالمي. كما أنّ أزمة الأدوية تعود أساسا إلى تراكم ديون الصيدلية المركزية لدى المزوّدين ما أدّى إلى عدم توفرها بالكميات المطلوبة، ممّا حال دون القدرة على توريد هذه الأدوية خاصة منها أدوية الأمراض المزمنة وأمراض الأعصاب وضغط الدم وغيرِها.

فقد عجز الصندوق الوطني للتأمين على المرض عن تسديد ديونه للصيدلية المركزية ومراكز الصحة الحكومية،  بسبب إفلاسه نتيجة الفشل في إحداث توازن في التغطية الصحية بين قيمة إرجاع مصاريف العلاج والأدوية وبين ما يحققه من ربح، وهو أمر جعل الصيدلية المركزية غير قادرة على استيراد كميات كافية من الأدوية التي نحتاجها في الصيدليات.

وسبق وأن قال نوفل عميرة نائب رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة في تونس إن هذا النقص يعود بالأساس إلى الأزمة الاجتماعية التي تعاني منها البلاد والتي طالت، كغالبية المؤسسات العمومية، الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام).وأوضح عميرة أن الكنام المسؤولة عن توفير الأدوية في تونس للقطاعين الخاص والعام صارت عاجزة اليوم عن دفع تكاليف هذه الأدوية في إشارة لأزمة ديون تعاني منها تجاه الصيدلية المركزية والمستشفيات بسبب نقص في السيولة.من جانبه، كان قد نفى صالح حميدات المسؤول عن الإعلام والاتصال في الصندوق الوطني للتأمين على المرض أن يكون الصندوق مسؤولا عن هذه الأزمة.

وأشار حميدات إلى أن تعديل قانون المالية الذي تمت المصادقة عليه في أوت 2017 يسمح للكنام باقتطاع المساهمات الاجتماعية مباشرة من الأجور، ما ساعدها على الخروج من أزمتها المالية وتسديد ديونها.وأشار حميدات إلى أن “الكنام” مازال يقوم بدوره على أحسن وجه ويتكفل بتغطية مصاريف الخدمات الطبية من بينها التغطية الكاملة لمصاريف علاج الذين يعانون من الأمراض المستعصية.

 

وللاشارة، فهذه الأزمة تفاقمت في الفترة الأخيرة ومازالت متواصلة بسبب تقلص احتياطي الأدوية إلى أقل من 3 أشهر إضافة إلى فقدان أدوية محلية الصنع وهو أمر غيرُ معتاد، بينما يصرّ مسؤولون على القول إنّ  الصيدلية المركزية، التي يتمثل دورها الأساسي في استيراد الأدوية وتوفيرها للمستشفيات العمومية، تعمل جاهدة على توفير جميع أصناف الأدوية، وتجاوز هذا النقص في أقرب الآجال.

 

الفساد على الخطّ..

على الرغم من الدعم المالي الذي خصصته الحكومة التونسية منذ بدايات تأسيس دولة الاستقلال لقطاعي الصحة والتعليم بالأساس، إلا أن اهتراء البنية التحتية والأزمة المالية المتراكمة أثرا كثيرا على الخدمات بهاذين القطاعين. هذا وتضخ الدولة سنوياً أكثر من 1.3 مليار دينار للأدوية في المستشفيات ومؤسسات الضمان الاجتماعي، إلا أن أزمة نقص الأدوية متواصلة منذ سنوات، بسبب الصعوبات الاقتصادية والمالية التي تواجهها تونس، وغياب الإرادة السياسية لدى الحكومات المتعاقبة لإصلاح هذا القطاع، وفق ما يراه مراقبون.

وتفيد بيانات جمعية الصيادلة عن فقدان أكثر من 500 صنف من الأدوية في نهاية عام 2021 بعد أن كان في حدود نحو 200 صنف في فيفري من نفس العام، من بينها أدوية لأمراض مزمنة وخطيرة مثل السكري وضغط الدم والسرطان.

وفي حين يقدر حجم الأدوية الموردة من الخارج بنحو 500 مليون دولار، ما يمثل تقريبا نصف الاحتياجات الوطنية من الأدوية، فإن إجمالي ديون الصيدلية المركزية تجاه المزودين الخارجين بلغت مع نهاية 2021 نحو 700 مليون دولار.

وبحسب تفسيرات الصيدلية المركزية، التي تملك حصرا مهمة تزويد المؤسسات الاستشفائية العمومية، فإن الأزمة مركبة تتداخل فيها عدة عوامل من بينها الافتقاد للمواد الأولية لمصنعي الأدوية.

ويترافق ذلك مع صعوبات هيكلية إدارية ترزح تحت وطأتها الصناديق الاجتماعية لعدة سنوات ما تسبب في تأخر خلاص فواتير المستشفيات والصيادلة وتراكم الأزمة المالية، وهو ما أدى إلى عجز مالي كبير.

ومع أنه تم تقليص هذا العجز من حوالي 1 مليار دينار تونسي (حوالي 312 مليون دولار أمريكي) قبل 2019 الى 158 مليون دينار تونسي في 2021، إلا أن تأمين التوازن المالي لهذه المؤسسات لا يزال بعيدا، وفق ما ذكره رئيس مدير عام الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية كمال المدوري.

وتظل أكثر الانتقادات التي تساق الى هذه المؤسسات هو ضعف الحوكمة وغياب نظام الرقمنة ما أدى الى تفشي الفساد وعمليات تهريب منظمة للأدوية في المستشفيات العمومية.

وتجدر الإشارة، أنّه يتمّ يوميا إحباط عمليات تهريب كميات كبيرة من الأدوية المستوردة أو المصنّعة محلياً على الحدود التونسية مع ليبيا والجزائر، علماً أنّ الأسواق الداخلية تشهد نقصاً كبيراً في الأدوية. ويتحدث صيادلة عن فقدان أكثر من 500 نوع دواء. ولا تقتصر عمليات التهريب على أدوية حساسة وإنما تشمل كامل الأدوية المدعمة بما في ذلك الأدوية البسيطة ولا سيما منها أدوية أمراض السكري.

ويقول مسؤولون إن الصيدلية المركزية تسعى لإيجاد حلول لهذه الأزمة وإنها لن تتوانى عن “ملاحقة عصابات تهريب الأدوية والتحايل على التونسيين وملاحقة المخابر الأجنبية التي أخذت صحة المريض التونسي والطبيب التونسي كرهينة”.

هذا وتمتنع ايضا بعض الصيدليات عن بيع أكثر من علبة واحدة من العديد من أنواع الأدوية، لا سيما الأدوية المسكنة وأدوية السعال والأدوية المخفضة لارتفاع درجة حرارة الجسم وبعض الفيتامينات، بسبب الإقبال الكبير عليها في فصل الشتاء بالإضافة إلى مرضى كورونا، في محاولة لمساعدة جميع المرضى بما تيسر. #

المصدر: النهار نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *