اتهم الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل سمير الشفي مؤخرا أطرافا سياسية لم يُسمها بالتسويق لمغالطات في حق المنظمة الشغيلة من خلال قولها بان الاتحاد أجج موجات الإضرابات بعد الثورة مبرزا، أن الإضرابات التي شنها اتحاد الشغل قبل الثورة أي زمن حكم بن علي، كانت أقل من الاضطرابات بعد الثورة موجها نقده لعدد ممن قال انهم دأبوا على استعمال عبارات غير مقبولة من قبيل “اتحاد الخراب” وأكد أن اتحاد الشغل هو فعلا خراب على من لا يريد الخير لتونس.

ومن البديهي أن شجب عبارات القدح في حق منظمة شاركت في معركة الاستقلال وكان لها دور مهم في كافة مراحل بناء الدولة الحديثة يعتبر امرا لا جدال فيه، غير ان ذلك لا يخفي التململ من تواتر الإضرابات لاسيما تلك التي أعلن عنها الاتحاد في عدة ولايات خلال هذا الشهر وقراءة احصائيات آلاف أيام العمل الضائعة منذ سنوات في ظل تفاقم الصعوبات المالية التي تمر بها تونس هي مسائل تقتضي تقييما منهجيا وموضوعيا يوازن بين مشروعية الاضرابات ومحاولات البعض لتسييسها وابعادها عن دورها المطلبي الشغلي.

واقع الاضرابات من خلال الأرقام

على مدى العقد الفارط، عاشت تونس على وقع موجات كبرى من الاضرابات العمالية طالت المؤسسات العمومية والخاصة. وعلى الرغم من مشروعية عدد كبير منها والتي انصبت أغلب مطالبها في خانة تحسين ظروف العمل والوضع الاجتماعي إلا أنها كبّدت الدولة خسائر تقدر بالمليارات استفحلت في ظل الضبابية والغموض اللذين اكتنفا عمل الحكومات المتعاقبة على السلطة في تونس. وعلى المستوى الرقمي فإننا قسمنا تحليل الاحصائيات المتاحة الى قسمين الاول يتعلق بمعطيات الفترة 2010 – 2014 وهي الفترة التي اتسمت بانفلات “ثوري” عارم والثاني يهم السنوات التالية الى غاية منتصف سنة 2019 .

وفقا لمعطيات مكتب الدراسات والتخطيط والبرمجة بوزارة الشؤون الاجتماعية، تطور عدد الاضرابات من 255 الى 451 خلال الفترة 2010 – 2014 لينتقل عدد أيام العمل الضائعة من 74763 في 2010 إلى 309343 في 2011 و241212 سنة 2012 و224658 عام 2013 و3614464 في 2014 مما يعني تسجيل زيادة قياسية تعادل نسبتها 384 بالمائة خلال الفترة المذكورة وبلوغ العدد الإجمالي لايام العمل الضائعة 1211440 في نهايتها.

كما ازداد عدد العمال المشاركين في هذه الاضرابات من 49910 إلى 155128 عامل وبغض النظر عن الواقع الصادم لهذه الأرقام فإنها خصت قطاعات لم تكن تشهد اضرابات تقريبا زمن بن علي على غرار الصناعات المعملية والاستخراجية والخدمات والمناجم والادارة والمنشئات العمومية. كما احتلت جهات صفاقس وبن عروس وقفصة المراتب الاولى في موجات الاضرابات باعتبار ثقل النسيج الاقتصادي فيها.

وتعتبر المطالبة بتحسين ظروف العمل السبب الرئيسي للإضرابات وبلغت عام 2011 نسبة 43 بالمائة من الاضرابات بينما ارتفعت إلى 49 بالمائة سنة 2012 ووصلت إلى 55 بالمائة سنة 2013 و48 بالمائة في 2014 مما يدل على عدم التوصل إلى حل هذه الإشكاليات لسنوات طوال.

ومثل مطلب صرف الأجور وتوابعها السبب الثاني في الاضرابات بنسبة 43 بالمائة سنة 2011 و35 بالمائة سنة 2012 و32 بالمائة سنة 2013 و 33 بالمائة سنة 2014 بينما كانت الاضرابات التي شُنّت للتضامن مع العملة ثالث سبب للإضرابات حيث بلغ نسبة 13 بالمائة سنة 2011 و7.5 بالمائة سنة 2012 و4 بالمائة سنة 2013 و11 بالمائة في عام 2014 .

في مرحلة ثانية، تكشف بيانات الإدارة العامة لتفقدية الشغل والمصالحة بوزارة الشؤون الاجتماعية، أن عدد الأيام الضائعة في القطاع الخاص والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية، انخفض نسبيا خلال سنة 2018، بسبب تراجع الإضرابات مقارنة بسنة 2017.

غير أن مستوى عدد أيام العمل الضائعة بقي جد عال وذلك في حدود 116882 يوما، كما ارتفع عدد العمال المشاركين في الإضرابات إلى 59976 عامل. وتعتبر الخلافات حول الأجور وتوابعها السبب الرئيسي للإضرابات. وخلال النصف الأول من سنة 2019، تبرز الاحصائيات عودة ارتفاع عدد أيام العمل الضائعة بسبب الاضرابات في القطاع الخاص بنسبة 27 بالمائة ليبلغ 39365 يوما مقابل 31095 يوما في السداسية الأولى من سنة 2018 وكشفت المعطيات البيانية لوزارة الشؤون الاجتماعية أن عدد الإضرابات بالقطاع مع ازدياد عدد العمال المشاركين في الإضرابات بنسبة 34 بالمائة إلى 24027 عاملا.

وعموما يناهز عدد أيام العمل الضائعة بين 2010 و2018 زهاء 1957462 في سياق تطور زاحف تراجع منحاه نسبيا في أواخر 2014.

ويبدو واضحا من خلال هذه المعطيات أن عدد الاضرابات والايام الضائعة للعمل قد تضاعف العديد من المرات مقارنة بزمن حكم بن علي ويمكن الجزم اعتبار العشرية الاخيرة عشرية الاضرابات بامتياز دون اعتبار الاعتصامات و أيام الغضب في الولايات والاضرابات العامة التي نظمهما الاتحاد في فيفري وجويلية 2013 وفي جانفي 2019 .

حالة الغضب المميتة

تعيش تونس منذ سنوات حالة غضب معقدة ومركبة باعتبار انها فاقدة للطابع التلقائي الى حد بعيد اذ هي منظمة في الغالب سواء من النقابات أو من اطراف سياسية وكذلك من بعض رجال الأعمال والمهربين والمتحكمين في عدد من اللوبيات وباتت بذلك الاعتصامات والإضرابات، العشوائية والمنظمة، الخيط الناظم لجغرافيا البلاد من أقصى الجنوب إلى أطراف الشمال ومن تخوم الولايات المنسية في غياهب الحدود مع الجزائر وليبيا وصولا إلى الشريط الساحلي، الذي انخرط في المنظومة وذلك اساسا بسبب تردي مستوى المواسم السياحية وسياسة الاقتراض المفتوح.

كما أن الظاهرة ابرزت عدة نقاط استفهام حيث فرطت الدولة بشكل غامض في حقها في فرض النظام وملاحقة المتسببين في تعطيل عجلة التنمية والاقتصاد – وهو التعطيل الذي يعرف في أغلب الأحيان افراطا في الاستعمال والاعتماد – ومقاضاة الواقفين وراء الإضرابات العشوائيّة والتغاضي عن خلاص ايام الاضرابات، وادى الامر مع الاسف الى انهيار منظومة القطاع العام بعد ان فاقت ديون المؤسسات العمومية 7 مرات أموالها الذاتية حسب معطيات تقرير أصدرته وزارة المالية في ماي 2018 وناهزت الزيادات في الأجور فيها في العديد من الحالات 11 بالمائة سنويا.

غير أنّ جذوة الصدام الاجتماعي وتكاثف نسق الاضرابات اضعافا مضاعفة هما راجعان كذلك الى الفشل الذريع للإجراءات الترقيعية لحكومات ما بعد 2011 بشكل خاص في تأمين سلم مجتمعي حقيقي مبني على العدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصاديّة. وكانت إجراءات حكومة يوسف الشاهد، بشكل خاص القاضية بإلغاء الترفيع في الأجور لسنتين متتاليتين مقابل الزيادة في الأداءات والضرائب على الطبقة المتوسطة ورفع الدعم عن بعض المواد الأساسيّة والتجميد شبه المعلن عن الانتداب في الوظيفة العموميّة، قد أدّت بالتململ إلى بلوغ أقصاه، ما مثّل دافعا إلى تحركات احتجاجية في العديد من الولايات والقطاعات سيّما تلك التي تشكو من مشاكل هيكلية عميقة وتعاني من سوء الإدارة ومن استفحال الفساد في دوائر اتخاذ قرارها.

وكانت الثروة الطبيعية التي تجسدها شركة الفسفاط بمدينة قفصة نموذجا لمدار صراع قوي بين الإدارة المركزية من جهة والأطراف الاجتماعية من جهة ثانية على خلفية عدّة مطالب ملحة تبدأ من ضرورة استفادة الولاية من ريع منتوجها واستيعاب الشركة لطالبي الشغل من أبناء الجهة في مقابل عجز الفاعل الرسميّ عن استيفاء كافة المطالب الاجتماعية، وهو ما أفضى في النهاية إلى توقّف إنتاج الفسفاط وشبه إفلاس مؤسسة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي.

وأفرزت التكلفة الجملية لمواسم الاعتصامات والاحتجاجات خسائر جسيمة تتحمّلها المجموعة الوطنية برمتها ذلك أنّ آلاف المؤسسات الصناعية الوطنية والأجنبية قد أغلقت أبوابها وهو ما يبرزه بجلاء التراجع المتواصل لمؤشر الإنتاج الصناعي بنسبة تناهز 7 بالمائة في المعدل السنوي بعد أن أصبحت عاجزة عن الإنتاج وتحقيق الربح المادي فيما تؤكد مصادر مالية أنّ 90 بالمائة من الشركات الأجنبية عرفت عقب الثورة تراجعا كبيرا في مستوى الإنتاجية.

وكانت الصدمة كبيرة عقب قرار العديد من الشركات والمؤسسات الأجنبية خصوصا المهمة منها مغادرة تونس باعتبارها بلاد الاعتصامات نحو بلدان أخرى أكثر استقرارا في المشهد السياسي وأكثر تأمينا لمفهوم السلم الاجتماعيّ سواء من حيث المطلبية الاقتصادية للعمّال أو من حيث قدرة الدولة على تطوير المنظومة القانونية في الاستثمار والتنمية. وأكدت الأرقام الرسمية أنّ المؤسسات الإيطالية تصدرت قائمة الشركات الأجنبية الراحلة من تونس تليها الشركات الفرنسية، ومن ثم بلجيكا.

وتكررت عقب الخسائر الجملية للاحتجاجات مطالبة كافة رؤساء الحكومات بضرورة وقف الإضرابات والاعتصامات والانخراط في هدنة اجتماعية وذلك بالاستناد إلى أنّ تكلفة الغضب الاجتماعي في تونس تجاوزت سقف المليارات من الدينارات. غير ان الحقيقة التاريخية التي لا بدّ من الإقرار بها هي أن تونس شهدت من قبل انتفاضات شعبية على خلفية مطالب تشغيل أو رفضا لغلاء المعيشة، من ذلك أحداث الخبز في جانفي 1984، خلال فترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، والتي عرفت بواكيرها في الصدام الاجتماعي بين الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظومة الحكم.

وأوضحت أحداث جانفي 2011 إرهاصاتها فيما يتعلق باستفحال التباين بين الفاعل الاجتماعي والتنفيذي عقب وصول الملف الاقتصادي الاجتماعي في البلاد إلى مرحلة الانسداد المطلق والكامل. وجاءت احتجاجات وأزمات 2016 لتكشف عن عجز كافة منظومات الحكم السياسي في تونس عن تسوية الملف الاجتماعي أو الإبقاء عليه في مستوى السيطرة والإدارة. ويجمع الخبراء على إمكانية حدوث احتجاجات جديدة أكثر عنفا وهو ما نعيشه اليوم سيّما وأنّ عدد العاطلين عن العمل في تونس يبلغ اليوم أكثر من مليون من طالبي الشغل فيما أبواب الانتداب في الوظيفة العمومية والخاصة موصدة أمامهم.

ويلفت الخبراء في هذا السياق الاجتماعي إلى استحالة تسلّح الدولة بالمسلكية الأمنية للوقوف أمام مسلسل التحركات الحاصلة حاليا والتي قد تندلع مستقبلا أو اعتماد المقاربة القانونية ضدّ الإضرابات القطاعية والجهوية. ولتجاوز هذه الأزمات وجب بالضرورة اعتماد المنهج الشمولي في التعاطي مع الظاهرة باعتماد الإجراءات الحينية والمتوسطة والبعيدة وإطلاق حوار اجتماعي حقيقي مع كافة الأطراف النقابية والأعراف الى جانب الاستفادة من الشركاء الماليين خاصة وأنّ تونس على أبواب انطلاق جولات مفاوضات مع الهيئات المالية الدولية.

في المحصلة، هناك اختناق اجتماعي شبيه بمرحلة ما قبل 2011 أو ربّما أكثر احتقانا. فالمشهد الاقتصادي يعاني اضافة الى تداعيات الوضع الصحي من انعكاسات الأزمتين السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد منذ نهاية 2010. فالعديد من المؤسسات أغلقت أبوابها وسرحت عمالها وأخرى مهددة بالإفلاس والاستثمار يتعطّل في مختلف الجهات ومقاومة الفساد لا تزال شعارا أكثر منها حقيقة ومعضلة القطاع الموازي والتهرب الجبائي لا يزالان يمثلان المعضلة التي لا تجد لها الحكومة حلولا جذرية ولذلك كثيرا ما تطالب النقابات والأحزاب بمراجعة منوال التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *