الأناضول – تونس/ عادل الثابتي –

– الرئيس قيس سعيد أعلن نفسه قائدا أعلى للقوات الأمنية في ظل أزمة متواصلة منذ أشهر بين الرئاسات الثلاث الجمهورية والحكومة والبرلمان


– الباحث هشام الحاجي: ما تحدث به سعيد يشبه إعلان حرب.. والرئيس يحاول احتكار السلطات وتأويل الدستور والنص الديني
– الباحث طارق الكحلاوي: لا وجود لسيناريو الانقلاب.. وليس بإمكان طرف (سعيد أو حركة النهضة) إقصاء الآخر.. ولا حل إلا بسحب الثقة من المشيشي

دخلت الأزمة السياسية في تونس طورا تصعيديا جديدا، بعد خطاب للرئيس قيس سعيد، الأحد، اعتبر فيه نفسه، وللمرة الأولى، قائدا عاما لقوات الأمن المسلحة، بجانب القوات العسكرية.

وفي ظل أزمة مستمرة منذ أشهر بين الرئاسات الثلاث (الجمهورية والبرلمان والحكومة)، رأى باحثان سياسيان، في حديثين للأناضول، أن مخاطر حدوث الانقلاب غير موجودة، لكنهما حذرا من أن الانزلاق للفوضى محتمل جدا.

وفي 16 يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن رئيس الحكومة، هشام المشيشي، تعديلا وزاريا أقره البرلمان لاحقا، لكن سعيد لم يوجه دعوة إلى الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية أمامه، معتبرا أن التعديل شابته “خروقات”، وهو ما يرفضه المشيشي.

وتحظى الحكومة بدعم من أحزاب حركة النهضة (54 نائبا من 217)، برئاسة راشد الغنوشي رئيس البرلمان، و”قلب تونس” (30)، و”ائتلاف الكرامة” (18)، و”تحيا تونس” (10).

وسعيد هو أستاذ جامعي سابق لا ينتمي لحزب سياسي، ويتولى الرئاسة منذ 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، في ولاية من 5 سنوات.

** “يشبه إعلان حرب”

الباحث في علم الاجتماع، هشام الحاجي، قال للأناضول إن خطاب الأحد للرئيس سعيد “يشبه إعلان حرب”.

وتابع: “خطاب الرئيس، سواء نزلناه في السياق الوطني أو الإقليمي أو في سياق المناسبة (كلمته كانت خلال احتفال بعيد قوات الأمن الداخلي) أو في مفرداته، يعتبر أكثر من فصل من فصول الصراع والمواجهة الواضحة للرأي العام بين الرئاسات الثلاث، بل هو أشبه ما يكون بإعلان حرب”.

ورأى أن “الرئيس قطع بشكل نهائي كل خيوط الرجعة إلى الوراء وإلى الحوار.”

وتابع: “الرئيس كال عديد الاتهامات لحركة النهضة بدرجة أساسية ولرئيسها (الغنوشي) وتهجم على مجلس نواب الشعب (البرلمان)”.

ورجّح أن سعيد بإعلانه أنه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمنية إنما هو “يستعد لأمر ما.”

** بعد زيارة مصر

الحاجي اعتبر أن “سعيد تجاوز ما عُرف به من أسلوب الوعيد وأسلوب إرسال الإشارات بتدشين منعرج جديد في الحياة السياسية بتونس”.

وأشار إلى أن خطابه جاء بعد أيام من زيارته لمصر، التي أثارت ردود أفعال في الساحة التونسية، بحكم الانقسام حول النظام الحاكم في القاهرة منذ الإطاحة بالرئيس الراحل، محمد مرسي، صيف 2013.

وانتقد نشطاء تونسيون زيارة سعيد لمصر، معتبرين أن الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي، قام حين كان وزيرا للدفاع بانقلاب على مرسي، ويعادي الثورة الشعبية التونسية، التي أطاحت في 2011 بالرئيس زين العابدين بن علي.

وشدّد الحاجي على أن “كل الرؤساء السابقين، بما في ذلك الذين اعتمدوا على المؤسسة الأمنية كأداة حكم، لم يقحموها بشكل علني ومباشر في الصراعات الرئاسية”.

واعتبر أن هذا النهج من سعيد يأتي في وقت “يتطلّع فيه التونسيون لمؤسسة أمنية جمهورية، مما شكل خطوة إلى الوراء .”

وعبّر عن أسفه من أن “الرئيس يحاول احتكار السلطات وتأويل الدستور والنص الديني.”

واستطرد: “هذا منعرج يؤكد أننا أمام سعيد آخر ليس الذي انتخبه الشباب، بحثا عن تحقيق حلم يتحول تدريجيا اليوم إلى ما يشبه الكابوس.”

ووصف أستاذ القانون الدستوري، عياض بن عاشور، في تصريح لموقع “أفريكان مانجر” (تونسي)، حديث سعيد في عيد قوات الأمن بـ”الخطير”، معتبرا أنه “يمهد للانقلاب”.

ورأى أن إعلان سعيد نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمنية “يمهد لدكتاتورية جديدة ستقوم باغتيال الحريات”.

** غياب أدوات الانقلاب

الرئيس السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، طارق الكحلاوي، لا يتفق مع من يرون أن سعيد يبحث عن انقلاب على المنظومة القائمة.

وتساءل الكحلاوي، في حديث للأناضول: “كيف سينفجر الوضع (؟) واقعيا كيف ستتم سيطرة سعيد على قوات الأمن الداخلي (؟) هل سيغير المديرين العامين بوزارة الداخلية والحال أنها تحت إمرة المشيشي، الذي هو وزير داخلية بالنيابة (؟)”.

ورأى أنه “لا وجود لإمكانية تنفيذ هذا السيناريو”.

وزاد بأن “أي حديث عن أن هذا تحضير لانقلاب هو مستبعد وكلام فارغ، والنهضة تلعب دور الضحية.”

واعتبر أن خطاب سعيد خاطئ من الناحية السياسية، لكن ليست هناك مخاطر من انقلاب.

ومتفقا مع الكحلاوي، قال الحاجي: “الآن ليست هناك خشية من عودة نظام تسلطي فردي، فسعيد لا يملك إمكانيات تنفيذ سياسته، واتضح أن قاعدته الجماهيرية ضعيفة وعلاقته بالمنظمات مقطوعة.”

وأضاف: “رهانات سعيد على المؤسسة العسكرية والأمنية إن وجدت ستخيب؛ فهذه المؤسسة تحتكم لعقيدة جمهورية وتوازنات داخلية وإقليمية معروفة تجعلها لا تتدخل في العمل السياسي “.

** مخاطر الفوضى

لكن الحاجي أعرب عن خشيته من “الانزلاق نحو الفوضى، فالوضع يشبه الوضع الذي تمّ فيه الحوار الوطني سنة 2013، وتولي مهدي جمعة (مستقل) رئاسة الحكومة”.

وأفضى هذا الحوار إلى خروج حكومة “الترويكا” (تحالف بين النهضة وحزبين علمانيين، هما المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات)، في ظل احتجاجات من المعارضة والنقابات.

وتابع: “هناك تجييش يضاف إليه أزمة اجتماعية حادة، كل الأرقام الاقتصادية سلبية، ما يهدد بالانزلاق نحو الاحتكام للشارع”.

وبالنسبة للكحلاوي فإن “أفق خطاب الرئيس لا يمكن أن يكون إلا في إطار الدستور، والنافذة الوحيدة لسعيد هو الفصل 80 من الدستور، الذي يسمح للرئيس بإعلان الخطر الداهم وتعطيل المؤسسات”.

وأردف: “بغض النظر عن تأويلنا أنه قائدا عاما للقوات المسلحة أم لا، الجيش يصبح صاحب سلطة عليا. ويمكنه اتخاذ قرارات والقيام باعتقالات، لكن البرلمان لا يمكن حله الآن”.

وشدّد الكحلاوي على أن “الأزمة سياسية في الأساس، لا يوجد طرف من الطرفين (سعيد والنهضة) بإمكانه إقصاء الآخر”.

وتوقّع “مزيدا من التوتّر”، معتبرا أن “الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال في حين الوضع في حاجة لحكومة قوية، لعلنا نقدر على مواجهته”.

** حياة سياسية معطلة

اعتبر الحاجي أن “الحياة السياسية معطّلة، والرئيس يتحمل فيها جانبا كبيرا من المسؤولية، حكومة مشلولة ومحكمة دستورية لم تكتمل بفعل قراءات متعسفة للدستور”.

وأضاف: “واضح أنه (سعيد) على طرفي تقيض مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب، ويعيق الحوار الوطني، ولا يحاور الأحزاب والشخصيات، إلا التي تنسجم مع ما في ذهنه من تصورات ومؤامرات “.

ورأى الكحلاوي أنه “لو كانت هناك ظروف سياسية أخرى، أي وضع متزن، ورئيس الحكومة في علاقة انسجام مع الرئيس، فلن نكون في هذا الوضع.”

ودلل على ذلك بأن “موضوع قيادة الأمن الداخلي لم يُطرح بهذا الشكل في حكومة (إلياس) الفخفاخ (بين مارس/ آذار وأغسطس/ آب 2020)”.

ورأى أن “الموضوع أُثير لما صارت الأزمة السياسية، أي لما كان هناك مشكل بين الرئيس ورئيس الحكومة.”

واعتبر أن “المعطى الواقعي الواضح هو أزمة سياسية وأزمة ثقة عميقة بين المُنتخَبَيْن، بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، وفي هذا الإطار تأتي الأزمة مع رئيس الحكومة، الذي هو طرف ثانوي”.

وتابع: “المشيشي في هذا الوضع إما يكون تابعا للرئيس أو تابعا للحزام الذي صوت له (في البرلمان)، وهو شخص غير مؤثر ولا وزن له.”

واستطرد: “موازين القوى القائمة تقول إن المشيشي لا حزام له ولا تاريخ سياسي له، بل اختاره الرئيس على أساس أن يكون تابعا له”.

ورأى الكحلاوي أن “الرئيس لم تعد له ثقة في الأطراف البرلمانية، وخاصة حركة النهضة، واختار المشيشي لتسيير الأمر، لكن تبيّن أن له حسابه الخاص.”

وعلى عكس ما يُروج في الساحة التونسية بأن الحوار لم يعد ممكنا، قال الكحلاوي إن “سعيد سيوافق على الحوار، إذا كان ثمة إشعار من حزام المشيشي بأنهم مستعدون للتخلي عنه، ليس بالاستقالة، فأغلب الأطراف السياسية لا تريد أن ترجع المبادرة للرئيس في تعيين رئيس الحكومة”.

ورأى أن “الصراع سببه تمسك الغنوشي بالمشيشي، الذي يعتبر سعيد أنه اختاره وغدر به.”

وشدد على أن “الوضع الراهن هو وضع أزمة سياسية، ولا أفق للحل فيها، إلا بسحب الثقة من المشيشي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *