وعود سخية وأحلام وردية حملتها أبو ظبي للمصريين قبل نحو 7 سنوات، منذ الانقلاب العسكري في صيف 2013، إلا أن أغلبها تبخر سريعا، ليجني المصريون الأشواك باقتصاد متدهور، ودور إقليمي متقزم، وأمن قومي مهدد بمعاول هدم إماراتية.

منذ اندلاع الثورة في يناير/كانون الثاني 2011، التي أطاح فيها المصريون بالرئيس الأسبق حسني مبارك بعد 3 عقود في السلطة، وأبو ظبي تناصبها العداء، ثم كانت أبو ظبي أول المهنئين بانقلاب الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي -حين كان وزيرا للدفاع- في 3 يوليو/تموز 2013، والذي بات مهموما -وفق مؤشرات عديدة- بفواتير عاجلة وآجلة الدفع للشريك الإماراتي، على حساب مقدرات البلاد.

وعلى وقع هذه الفواتير، سحبت الإمارات البساط من تحت أقدام النظام المصري، عربيا وإقليميا، وباتت تزاحمه في أكثر من ملف سواء بدفعه نحو دعم حلفائها في ليبيا واليمن وسوريا، أو للدخول في مناكفات سياسية وجيو عسكرية مع تركيا، خصوصا بمناطق التنقيب عن الغاز شرق البحر المتوسط وليبيا.

وأخيرا، بات الأمن القومي المصري مرهونا ومهددا باتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، إذ أصبحت قناة السويس أول ضحاياه المستهدفين، بعد الكشف عن خطط إماراتية إسرائيلية لا تستبعد السعودية، لإنشاء خطوط نقل بديلة لشريان مصر القومي، إضافة إلى تراجع الدور المصري التاريخي كوسيط في القضية الفلسطينية.

ومؤخرا أعلنت أكبر شركة مقاولات إماراتية “أرابتك” إفلاسها، بعد أن باعت الوهم للمصريين، ببناء مليون وحدة سكنية، دون أن تحقق منها شيئا.

وانعكس الاحتكار الإماراتي لمقدرات مصر وتراجع دعمها المادي السخي للنظام بالسلب على المواطنين، إذ ارتفعت أسعار الخدمات بصورة كبيرة، خلافا لزيادة الضرائب وتراجع الدولة عن تطوير قطاعها الخاص، مع توجه السيسي نحو الاقتراض بصورة غير مسبوقة، وفق مراقبين.

دور مشبوه

يتخطى عدد الشركات الإماراتية العاملة في مصر حاليا 1100 شركة بحجم استثمارات يزيد على 7 مليارات دولار -وفق تقديرات حكومية- في قطاعات النفط والغاز والموانئ البحرية والصحة والعقارات والاتصالات والزراعة والتعليم وتجارة التجزئة وغيرها.

اعلان

وفيما يمثل الاستحواذ الإماراتي على مقدرات مصر، تهديدا مباشرا لأمنها القومي، يؤكد مراقبون أن الدور الرقابي للجهات السيادية على قطاعات تستثمر فيها الإمارات كالاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتعليم، بات مكبلا بحصانة من الموافقات الأمنية اللازمة أو المساءلات القانونية.

وفي هذا الصدد، عزا الأكاديمي الخبير الاقتصادي المصري أحمد ذكر الله، التمكين الإماراتي في مفاصل الاقتصاد المصري إلى أن السلطة المصرية “تحاول أن ترد الجميل من خلال مجموعة من التسهيلات للمستثمرين الإماراتيين، دون الوضع في الحسبان تداعيات ذلك على الأمن القومي”.

وقال ذكر الله للجزيرة نت، إن الدور الإماراتي كان يستهدف منذ البداية تعطيل المشروعات المصرية التي تتنافس مع الدور الخدمي لديها، ولاسيما في القطاعات البحرية التي تقوم بها الإمارات سواء في منطقة “جبل علي” في دبي أو ميناء خليفة بأبو ظبي.

واستشهد في توضيحه للدور المشبوه في قتل طموحات المصريين في تطوير قناة السويس، أنه عندما استولت موانئ دبي على إدارة ميناء العين السخنة (أكبر وأهم الموانئ على البحر الأحمر) كان من المفترض أن يكون المشروع افتتاحية لمجموعة من المشروعات الكبرى، لكن السعة التخزينية للشاحنات التي تمر بالميناء نقصت من 570 ألف شاحنة إلى 500 ألف شاحنة فقط، وذلك بعد إسناد الإدارة لموانئ دبي، عبر اتفاق عام 2008 استحوذت بمقتضاه على حصة 90%.

وأشار إلى أن الإمارات جمّدت مشاريع تنمية محور القناة الواعدة عقب الانقلاب مباشرة وبصورة كاملة، دون أن توضح الحكومة المصرية مصير هذه المشاريع التي كان مأمولا أن تنقل البلاد إلى مراحل تنموية متقدمة.

وأضاف أن الإمارات استولت أيضا على القطاع الطبي في مصر، حيث يقدر المتخصصون سيطرتها على ثلث القطاع من معامل ومستشفيات، خلافا لدورها فيما يحدث من عمليات تهجير وهدم في جزيرة الورّاق والقاهرة الفاطمية، تمهيدا لمشروعات سياحية وخدمات مالية، ضمن أدوار وخدمات مسبقة.

ثمن كبير

بدوره، أكد السياسي المصري ثروت نافع، أن تحالف السيسي وبن زايد إضافة إلى بن سلمان في السعودية، ليس خفيا ومعلن منذ قبل الانقلاب العسكري، وتداعياته أصبحت واضحة المعالم للجميع.

وفي حديث للجزيرة نت، قال نافع إن مصر دفعت نظير هذا التحالف ثمنا كبيرا كالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير بالبحر الأحمر لصالح السعودية، وفي الارتماء لوجهة نظر إماراتية في بعض الملفات وعلى رأسها الملف الليبي.

وأضاف السياسي المصري “رغم أن النظام المصري كانت له بعض المواقف التي ربما تكون إلى حد ما عاقلة مثل عدم التدخل العسكري في اليمن، لكن لا تزال هناك شوائب، منها أن التحالف مع دول عربية تعتدي على دول عربية أضعف موقف مصر في المنطقة”.

كما حذّر رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى السابق، من أن مصر “أصبحت تتلقى تهديدًا جراء موقفها السياسي في بعض الملفات من الرياض وأبو ظبي، ما قزّم دورها في المنطقة وملفاتها الكبرى”.

ومستبعدا وجود استفاقة مصرية متأخرة حيال تحالف السيسي وبن زايد، قال نافع “نتمنى أن يستفيق النظام وأن يعي حجم مصر ومكانتها ودورها التاريخي، لكن كل الشواهد لا تؤدي إلى أن ذلك سيحدث قريبا”.

قبل الطوفان الإسرائيلي

واتفق الباحث المصري في معهد الدوحة للدراسات العليا، سيف الإسلام عيد، مع الرأي السابق، مضيفا “من الممكن أن نربط بين دور الإمارات في انهيار الاقتصاد المصري وبين إعلان تحالفها الأخير مع إسرائيل في تقزيم الدور الإقليمي والعربي لمصر، خاصة بعد انقلاب 2013”.

وفي حديث للجزيرة نت، قال عيد إن “الإمارات تمتلك مشروعًا لقيادة العالم العربي والإسلامي يقف حائلا أمام تطلعات الشعوب نحو الديمقراطية والحرية، ومنذ أن أتى السيسي بدعم إماراتي، تخلّت مصر عن دورها في القضية الفلسطينية وليبيا وسوريا واليمن”.

الباحث المصري توقع أيضا استمرار تحالف السيسي وبن زايد “طالما بقيت هناك أطماع إماراتية”، مضيفا “ولا أظن أن هذه الأطماع ستنتهي قريبًا، وأراها تتطور مع التحالف الإسرائيلي الإماراتي”.

وأضاف أن “السيسي أصبح يخدم فقط الرؤية الإماراتية أو يعمل من أجل تفعيل اللحظة الإماراتية كما يسميها عبد الخالق عبد الله (أكاديمي إماراتي بارز) حينما كتب مقالا في صحيفة مصرية يعلن انتهاء دور مصر الإقليمي والعربي”.

وفي أكثر من مناسبة، تحدث الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله عن تزايد دور بلاده في المنطقة بالتوازي مع تراجع مصر، وأن القرار السياسي العربي بات يصنع في العواصم الخليجية وليس القاهرة.

وسبق أن حذّر الكاتب المصري محمد عصمت، في مقال أواخر الشهر الماضي، بجريدة الشروق من انقلابات إستراتيجية هائلة في الشرق الأوسط مع بدء العلاقات الدبلوماسية بين أبو ظبي وتل أبيب بمباركة سعودية.

وأكد عصمت في تحذيره أن مصر على أعتاب تهديدات مصيرية ربما لم تواجهها طوال تاريخها كله، تتطلب سياسات جديدة وإعادة ترتيب كل أوضاعها الداخلية، قبل أن يجرفها الطوفان.

المصدر : الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *