لـم يستجب «الشعب الثوري» للانتخابات التشريعية ! هل سعيّد بين”الشوطين أو في حجرة الملابس؟!

1/الأوراق الصفراء

إنّ انتخابات 17 ديسمبر 2202 هي أهم مفصل في المسار الذي يعمل سعيد على إرسائه. وهو مسار جانب فيه القوانين والأعراف وتوسع فيها وتحايل، بدءا بمنعرج 25 جويلية 2021. وبهذا المنعرج أوهم سعيد التونسيين أنه تدبير استثنائي مشتقّ من مخاطر لحظة وضروراتها، وأنه زائل ككل إجراء استثنائي بزوال الأسباب. لكن سعيد صيّر تلك اللحظة، بالمنشور117، منطلقَ مشروع للحساب  الخاص والحكم الفردي المحض.

كان سعيد يدرك أنه يتحرك بغير وجاهة قانونية. فضاءل تعويلَه على شرعية القانون، مكتفيا منها ببعض التّحذلق، وأسند ظهره على”المشروعية” الشعبية مقدّرا أنها جوازُ سفره إلى الأقاصي وتأشيرةُ اندفاعه إلى ما”يريد”، متدثرا بشعار “الشعب يريد”.

لكن الحدس الشعبي والوعي السياسي الجمعي رفعا في وجه سعيّد الأوراقَ الصفراء تباعا. من ذلك الإقبال الضعيف على المُسمّاة استشارةً، ثم على المُسمّى استفتاءً ، فضلا على إنذارات التبرم والغضب. ولم يُعِر سعيد اهتماما بلون الأوراق، فرآها خضراء يانعة، لكنها اصفرّت، عَرَضًا، بِريشَةِ المؤامرات في الغرف المظلمة بعبارته الرائجة. فهي، في رأيه، صُفرةْ لا يُعتُدّ بها. وأصرّ على أنّ ذلك نجاح باهر، وواصل المسار كالقطار المُنحدر ولا كوابح، إلى أن ارتفعت في وجهه الورقة الحمراء يوم 17 ديسمبر 2022.

2/الورقة الحمراء

أقبل يوم 17 ديسمبر على صناديق الإقتراع لِانتخاب  “برلمان سعيّد” ما قدرُه: 8,8 % من الناخبين المسجلين. هذه هي النسبة التي أعلنتها هيئة الإنتخابات في الإبان المعلوم. ولئن ساد بعضُ الشك في بلوغ الإقبال هذه النسبة، فإن عدم اليقين يدعو إلى التسليم بها. وهو تسليم على مضض، لاسيما حين تابعنا أصداء التشكيك، كتصريح رئيسة الحزب الدستوري الحر، وتلميح الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل.

لكن هذه النسبة أُسرِيَ بها ليلا،  ونفخ في روحها نافخ، فتعالت إلى 11,22 %، باستزادة نحو 222 ألفا من الأصوات.وفسّرت هيئة الإنتخابات ذكَ التمطّطَ الفُجائيَّ بِمِنفَخَةِ أصواتِ جهَتَي “جرجيس” و”جربة”.

إن المعلوم أن الإقتراع في منطقتَي جربة وجرجيس قد توقف قبل غيرهما من المناطق بساعتين، لا بعد ساعتين، أي الرابعة مساء وليس الثامنة. فأرقام المنطقتين تسبق أرقام غيرهما ولا تلحَق. ثم كيف نصدّق أن عدد مقترعي المنطقتين بلغ نحو 222 ألفا!؟. هل نسي أهل جرجيس غضبهم لمجاهل جثامين أبنائهم، فأقبلوا على مكاتب الإقتراع أفواجا تعبّر عن الإجلال لقيس سعيد!؟. وفوق ذلك ماهو عدد كل المسجلين في جربة وجرجيس!؟. لا بل ما هو عدد سكانهما لا سيما أن  القاعدة في أهل جرجيس هي الهجرة والبقاء الاستثناء !؟ وهل يجوز أن نقبل تبرير هيئة الانتخابات الذي بيانه أن نسبة 8,8 % لم يُحتَسب فيها المصوّتون الذين حصّلوا مقرات الإقتراع،وصوتوا بعد السادسة. إن هذا يفترض اكتظاظا وطوابير، في حين أن عشرات المترشحين حصلوا أصواتا تتراوح بين الصفر والعشرين!؟

وسواء كانت النسبة هذه أو تلك، فهي هزيلة إلى الحد الذي هي به مهزلة. فهي ورقة حمراء رفعها الحدس الشعبي والوعي السياسي في وجه صاحب المسار. ولو لم يكن اللاعب هو هو، لتوقّعنا منه أجوبةً على تلك الأسئلة مشدودة ببعض المنطق على الأقل. وكان له في ذلك العديد منها، سواء بالإذعان النّزيه للحقائق أو بالمناورة السياسية والكلامية الماكرة.

لكن جواب سعيد على تلك النسبة إنما يُدوُّن في لوح العجائب المحفوظ. قال مستعملا ضمير الغيبة كالعادة: “لم يجدوا مآخذ في الإنتخابات فأثاروا نسبة الإقبال عليها”. فهل الإنتخابات إلا نتائج تخصّ المترشحين، ونسبة إقبال تخصّ مُقرِّرَها في غير أوانها الدّوري!؟. فنسبة الإقبال في مثل هذه الأحوال هي جوهر العملية الإنتخابية. فهي أعمق من كونها ممارسة قانونية غير مرتهنة لنسبة إقبال. إنها تكثيف سياسي للنجاح في حال الصعود وللإخفاق في حال النزول. وإنها معيار مشروعية شعبية في سياق استثنائي.

ثم إن ذلك القول الذي أجاب به سعيد على هُزال النسبة يفيد أن موجبات الطعن على نزاهتها قد انتفت، فَلَجَأ مَن يَعُود عليهم ضميرُ الغيبة إلى التشهير بالنسبة. فكأن النزاهة تلك، لو صحّت ، هي مِنّة منه ومَكرمة وليست أصلا وفرضا.!

وقال سعيد أيضا:” إن نسبة الإقبال لا يعتدّ بها قبل إجراء الدور الثاني”. وقال إنّ ذلك أشبه”بالحُكم على نتيجة مباراة في شوطها الأول دون الثاني”. وليس هذا القول من العجائب فحسب. إنه يُحبِّب إلى النفس الإقامة في “مستشفى الرازي”، على سبيل الإستعارة من القاضي أحمد صواب. فهو قول لا يصدر عمّن هو في طور”الكُتّاب”من مدرسة السياسة. ومن ذلك ما يلي:

+ إن النتيجة النهائية في لعبة الكرة تكون بضم نتيجتَي الشوطين. فهل ينوي سعيد أن يضمّ نسبة الدور الأول إلى نسبة الدور الثاني لتحصيل نسبة الإقبال!؟.

+ الأصل في هذه الإنتخابات، وفق منطقها الداخلي الذي سنّه سعيد نفسه، هو دورها الأول. فنسبة الإقبال عليه هي نسبة الإقبال عليها. ذلك أن الدور الثاني هو دور تكميليّ. فنظريا، قد لا يجري أبدا إذا حصّل ما يفوق 50 % من الأصوات مترشحون في كل الدوائر.

+ لن يجريَ الدّورُ الثاني في كل الدوائر. وإن الدوائر التي ترشح فيها مترشحون كُثر، دون أن يحصّل أيٌّ منهم النصابَ، سيتقدم فيها للناخبِين المترشحان الأوّلان، وسيجلبان بالغلبة أنصارهما دون سواهم. ويرجّح الأمران أنّ الإقبال لن يزيد وإنما سيتضاءل، إلا إذا كانت النية متجهة إلى”الإسراء” به نهارا.

3/سعيد والمعرضون عنه

إن 17 ديسمبر، موعدا لإجراء الانتخابات، قد اختاره سعيد. اختاره إحياء لرمزيته “الثورية” التي اصطفاها هو نفسه، معرضا بها عن رمزية 14 جانفي. وهو بهذا التاريخ، قد استدعى” الشعب الثوري” ليقبل صفا صفا على الإنتخابات “الثورية”.و طبقا للمنطق الناظم لمسار سعيد، يُفترض في هذا الموعد الرمزي أن يكون الأقدر على جلب المقترعين، لا سيما أن ذاك اليوم كان مشمسا جميلا باعثا على الحركة والإصطفاف في مكاتب الإقتراع.

لكن الإعراض كان شبه شامل. وترجمته هي الإعراض عن الثورة الموهومة وعن ذكراها وعن “ثورِيِيها” الذين يتنازع في تمثيلهم سعيد والغنوشي، وعن”الانفجار الثوري” الذي تشيِّد أحجارُه المتداعية”البناء الشاهق”، وعن الإنتخابات بما هي حلقة حاسمة، لكنها انبنت كوخا حقيرا وَاطيا متداعيا.

وميز أصحاب النظر بين العزوف والمقاطعة وكأن المنطلق والنتيجة مختلفان. قالوا إن العزوف هو الأصل، لأنه موقف شعبي. لكن المقاطعة هامش لأنها موقف حزبي. وإن هذا التبويب الزائف يتجاهل أن أتباع الأحزاب هم من نسيج الشعب، لا بل لا أحزاب من دون أرصدة شعبية. فبقدر ما يعبر هذا الإعراض عن الإقتراع عن موقف شعبي، يعبر عن موقف سياسي حزبي، على ما بين الأحزاب من تفاوت في الإشعاع الشعبي. كما يُظهر هذا الإعراض أن الحياة السياسية، بمواعيدها الإنتخابية، تحرّكها الأحزاب. وليس التلوث الذي يطغى على أحزاب دون أخرى هو حصيلة الحياة السياسية الحزبية من حيث الأصل، وإنما هو حصيلة حياد الأحزاب عما جُعلت له في الديمقراطية الراهنة كونيا. لقد تأكد درسُ ما ينتج عن تهميش الأحزاب. وتأكد أن مشروع سعيد قد بلغ سقف نهايته. هذه هي الحقيقة التي ينبغي قبولها بهدوء ومسؤولية. لا وجاهة في المكابرة والهروب إلى الأمام والتمسك بالخطاب المكرور الذي صار لا ينفق على أحد. فسعيّد ليس اليوم بين”الشوطين” كما أراد. إنه في نهاية اللعبة. لا بل في حجرة الملابس حيث ينطلي بصابونها.

نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” الصادرة بتاريخ الثلاثاء 27 ديسمبر 2022

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: