نصر الدين سويلمي

لقد خرج الغنّوشي من تردّده واتخذ موقفا! أو هكذا يعتقد البعض ويغرق البعض الآخر في التسطيح، والأمر تأكيدا ليس بتلك البساطة، منذ سنة وعبير تعربد إلى حدود ظهر الخميس 18 مارس 2021، هناك وفجأة قرّر الغنّوشي أن يتحرّك بلا مقدّمات ولا مسبّبات ولا مفتّحات ولا مؤشّرات! يأبى العقل قبول ذلك كما النقل

أكيد أنّ بعض العوامل حلحلت الأمر، مثل إشارات الغنّوشي بقبول إدراج السياسي أو بعضه في الحوار الوطني كما أنّ التسريبات لعبت بعض الأدوار في خلخلت الجمود، وحتى استقالة الشواشي نخصت الانخراط التياري في خطّة عبير وحوّلته من حزب يضع بيضه كلّه في اجتثاث النّهضة والغنّوشي إلى حزب بدأ يفكّر في ادّخار بعض بيضه له! لنفسه! لفعله الحزبي!

لكن قبل ذلك وبعده أصبح من الواضح أنّ الجبهة الواسعة التي تصارع النّهضة وتهدف إلى إقصاء زعيمها من سدّة البرلمان واعتمدت عبير كرأس حربة على امل ترويضها لاحقا، يبدو أنّها راجعت مواقفها، ليس من عداء النّهضة ولا الغنّوشي ولكن من التمعّش العبيري، بعد أن تيقّنوا أنّ حصادها أوفر من حصادهم بكثير بل لا مقارنة، واستقرّ رأيهم على أنّ المخلب الذي استعملوه بات خارج السيطرة وأصبح يستعرض ضدهم عضلاته، مع جحوده بفضلهم عليه

وعليه وبعد أن اتفقوا مع الاتحاد قرّروا سحب الأنبوب الذي تتغذّى منه عبير، على أن يعتمدوا وسائل اخرى في حربهم ضدّ النّهضة والغنّوشي والائتلاف، من أجل ذلك مرّروا رغباتهم للغنّوشي الذي كان يتكئ على صبره ويترقّبهم. ثمّ لا يجب أن نغفل أنّ الذين تصدّوا إلى عبير ليسوا من الفرق الأمنيّة المختصّة، بل هي “نقابة” وليس ذلك الحماس غير أضواء خضراء صدرت وأخذت على نفسها تأمين أي تداعيات، بمعنى تصدَّ أنت وأنا أتحمل مسؤوليّة المضاعفات مهما كانت، هكذا جاءت التعليمات، والجيّد في الأمر أنّهم تصدّوا والمقلق أنّ المسألة غير مقنّنة والكتل التي اتفقت مع الغنّوشي على تفعيل أفصل 48 قد تتراجع فيتراجع الموظّفون الذين قاموا بالتصدّي لعربدة عبير

أيْ نعم عزموا على فعل شيء ما، وتحالفوا مع الطبوبي لفرملة عبير المتورّمة، لكن يبدو أنّ مهمّتهم ستكون صعبة جدّا، إلّا إذا لجأوا إلى القانون ومنعوها بموجب جرائمها المتكرّرة واستهدافها القولي والفعلي للدولة، من دون ذلك قد ينجحون في تحجيمها لكنّه ليس من السهل أبدا إبعادها عن ثنائيّة الرهان، هم أنفسهم يدركون أنّ رأس السباق انفصل عن القافلة، وأنّ عبير والنّهضة تقدّموا بأشواط، وأنّ تحريشهم لعبير سمّن حزبها على حساب أحزابهم، لأنّ عبير لا يمكن أبدا أن تجبد من خابية الثورة والهويّة، كما أدركوا أنّ النّهضة استفادت بقوّة من خطّتهم الساذجة، فالغنّوشي يعي أنّ المناخ والوضع الاقتصادي والسلطة التي تشحّب الأحزاب الحاكمة، كلّها عوامل لا تجعله يطمع في استمالة شرائح تونسيّة جديدة، كان فقط يحتاج إلى صدمات لإعادة تجميع وتمسيك حركته وقد كان له ما أراد

إذًا انفصل السباق إلى مجموعتين، ابتعدت النّهضة وعبير وتصدّرا بشكل مريح، يلاحقهما قلب والتيّار في مجموعة واحدة مع الائتلاف، هذا الأخير يلاحق براحة كبرى لأنّ لا منافسين له على الشريحة التي يستهدفها، خاصّة بعد ترهل التيّار نتيجة التسريبات ومواقفه من الهويّة وتآكل خطابه الثوري.. وإذا ما خرج القروي سينجح في ترميم حزبه، لأنّه يستهدف شريحة يصعب الوصول إليها بالطريقة المتبلّدة التي يعتمدها خصوم النّهضة اليوم، فالقروي يعتمد التحشيد الماكر الذي يحسن التسرّب إلى المفاصل الشعبيّة الضعيفة. هكذا سيكتشف الحلفاء الذين يرغبون في انتزاع ما أمكن من حاضنة عبير أنّهم بصدد تنتيف ما تبقّى من حاضنة التيّار! وأنّ عبير أفلتت برصيدها وأنّه ليس من حلّ غير أروقة العدالة

إذا ما تواصل تبلّد الحلفاء، وأجريت انتخابات خلال سنة تزيد، وخرج القروي وتماسك قلب وتمّ إقرار العتبة، فإنّ برلمان “المسبقة” سيتشكّل من النّهضة كحزب أوّل متبوع بعبير فالائتلاف فقلب تونس، يبقى احتمال بروز قوّة أخرى ليس من كل تحالف الأغبياء، وإنّما من دعم قوي ونزول واضح لقيس سعيّد خلف التيّار وحركة الشعب تحت مظلّة واحدة، هنا يمكن أن نتحدّث عن تغييرات في المجموعة الثانية، أمّا الكوكبة فقد حسم أمرها، ولن تتراجع عبير إلّا بالثقيل الدستوري أو القانوني. تلك تقاليد المشهد التونسي.. تحالفوا مع الباجي وحين أرادوا فرملته أو اقتطاع بعض ما عنده فشلوا وشكّل النداء ثنائيّة مع النّهضة، ثمّ قاموا بشيطنة الأحزاب وزرعوا الإحباط فكانت ثنائيّة النّهضة والمستقلّين خلال بلديّات 2018 ، ثمّ سكتوا عن نبيل حين كان يتحرّك بجمعيّته ويغوص في العمق التونسي، وفي مرحلة متأخّرة ومن زاوية ميتة أرادوا التهام بعض رصيده ففشلوا وشكّل قلب تونس ثنائيّة مع النّهضة.. واليوم يعودون مرّة أخرى في الوقت الضائع، لمنع ثنائيّة النّهضة عبير، ولن يمنعوها، لقد سمّنوها أكثر من اللازم فتمرّدت وشيطنوا النّهضة أكثر من اللازم فتكتّلت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *