بعد أن جعلوا منه ”ديناصورا” اتصاليا.. فظاعات روني الطرابلسي مع بيار إلكاباش

شكري بن عيسى (*)

كمّ المشاركات التي نزّلت صورة الوزير الطرابلسي وهو جالس في المطار، مرفوقة بمعزوفة من المديح الفاخر، توحي اليك أن الوزير المذكور صار بطلا قوميا، ويتوجّب عليك الاسراع بالانخراط في الجوقة، والا فانك تصبح مقصّرا في حقّ الرجل وحق الوطن.

وما يثير الاحاسيس وبالتالي التعاطف، هو تلك الصورة التي تظهره وحيدا منشغلا، وقد تم تصويره (على حين غفلة..) في فضاء قيل انه مطار، ولكن الاكثر هو التعليق بانه لم ينم ليلته بعد حضوره برنامج تلفزي، والاشد وقعا هو تصويره على انه يدافع على تونس، والاعلى من كل ذلك هو رسالة الشعور بالذنب، بارفاق الامر بان المعني تعرض سابقا لسلسلة نقد حادة (تم وصفها بالظالمة والقاسية).

والسردية كما باقي السرديات الاخرى، حول انقاذ وزير الدفاع الزبيدي للسبسي من محاولة انقلاب، قبل أن يضيفوا بعد ذلك امين عام الاتحاد الطبوبي في مرحلة اولى، ثم سفيان طوبال في مرحلة ثانية، -السردية- سرت سريان النار في الهشيم، والطريقة التي حبكت بها تجعلك تنخرط (تحت القصف المعلوماتي هذه الايام) فيها دون ان تشعر.

العقل العربي في بنيته العميقة عقل خرافي، غير قادر على الاعتماد على الذات واستقصاء قدراته وامكانياته، مثلما فعل كانط قبل قرنين ونصف في تعييره وفحصه لكفاءة اداة التفكير، وهو غالبا من ينجذب للتفاسير بطريقة الخوارق والمعجزات، التي انتقدها سبينوزا في كتاب “الاخلاق” منذ سنة 1675، لذلك هذا العقل العربي يعيش في عمومه كسلا فكريا، يعيقه من تفكيك الاحداث فضلا عن الظواهر وفهمها وتحليلها، وهذا ما يفسر في جزء كبير الانسياق العارم وراء السرديات والاشاعات والتهويل، اضافة لانتشار الشعبوية والتفكير التآمري، وهذا يحتد اكثر في فترة الازمات وافتقاد المعلومة، حيث يرتفع تاثير الشحن واستثارة العواطف والغرائز اضافة للمخيال الشعبي.

الصورة المتداولة بقطع النظر عن ارتباطها بموضوع التنقل الى فرنسا، تبرز الوزير وكأنه في وضعية “جهاد”، وتتناسى أن المعني من دوره ووظيفته الوزارية التنقل والحضور في البرامج التلفزية، بل ان هذه الوزارة هي اصلا وزارة سفر وتنقل، بل ان الجميع يلهث للظفر بها من اجل الرحلات والسفرات، وبالتالي لا ندري ما البطولة في تنقل وزير ليلا للحضور في برنامج صباحي، مع الاشارة ان التعاليق في العديد منها قلبت الوضعية، وجعلت العودة ليلا وليس السفر.. هذا في خصوص الشكل العام.

اما في خصوص المضمون والاصل، فقد استثارتني الحقيقة التعاليق، ودفعني واجب التحقق والتدقيق الى الرجوع للفيديو، والبرنامج الذي تم تصويره مع الصحفي الفرنسي الشهير جون بيار إلكاباش، على قناة « CNEWS » يوم 28 جوان، ومنذ الدقائق الاربع الاولى من جملة الـ 21 دقيقة صدمت، فالاخطاء الاتصالية كانت بدائية بل وفظيعة في جزء منها، ففي اجابته على سؤال بخصوص اشاعات حول حالة الرئيس الصحية، انبرى متحدثا في أمور ما كان يجب عليه الحديث فيها لا سياسيا ولا اتصاليا ولا اتيقيا.

فقد اجاب تدقيقا “توجد اشاعات.. لما يتعلق الامر برئيس عمره 93..”، قبل ان يستدرك بالتأكيد بعد الانزلاق الخطير على ان الرئيس يعالج في المستشفى العسكري، وقبل ذلك في سؤال حول وجود شغور في الحكم، اجاب بطريقة اثبت فيها جهلا عميقا بالدستور ونظام الحكم، نافيا وجود شغور ولكن في اشارة الى ان “الحكومة تحكم” و”ان رئيس الحكومة هو من يحكم.. وليس الرئيس”، في تحريف وتجني على توزيع السلط بين مؤسستي الرئاسة والحكومة، واعتداء على سلطات الرئاسة ما اضطر المنشط إلكاباش الى تذكيره بان الرئيس هو “رمز” النظام…

الاخطاء تتابعت على مدى ما يقرب الـ 21 دقيقة، لوزير مهمته دبلوماسية-سياسية-اتصالية-اقتصادية-امنية، ولكنه يبدو غير مطلع على التفاصيل ولا حتى الارقام، ففي حديثه عن الهجمات الانتحارية، وفي الوقت الذي لم يكن من داعي لذكر تفاصيل انبرى في الاتجاه، دون تقدير لخطورة كلامه، فقد ذكر أن الهجوم الاول تم في شارع بورقيبة، والحال انّ الهجوم لم يكن داخل الشارع الاكبر، ومجرد ذكر شارع بورقيبة فيه اشارات سلبية للغاية، على ان الرمز الاكبر وقع انتهاكه، واضافة الى ذلك فقد أصرّ على استهداف الامن وخاصة “خلية مكافحة الارهاب”، ما يظهر أنّ كل الفضاءات المفترض ان تكون محصّنة وقع اختراقها، كل ذلك ليستخلص أن الهجمات لم تكن تستهدف السواح..!!

وفي فظاعة اتصالية لاحقة في اجابة على سؤال ان كان المهاجمين تونسيين، اجاب في استدعاء مقرف لكلام بورقيبة، مسقطا اياه عن الوضعية بطريقة صلفة: “اذا تعرضت تونس الى سوء في يوم فان ذلك يكون على يد ابنائها”، في اشارة سيئة جدا للانتماء التونسي، والحال انه كان مستوجبا الاجابة بأنّ ما قام به الانتحاريين لا علاقة له بالثقافة والتربية التونسية، وانما هي افكار وافدة في نطاق العولمة والفضائيات التي عمقت هذا الفكر الارهابي، وحتى في نطاق اجندات دولية توظف الارهاب سياسيا.

وفي تواصل للاخطاء الاتصالية المتتالية، حول “عودة ارهابيين من داعش التي بها الاف التونسيين”، دخل على خط الكلام الملتبس في الوقت الذي يستوجب ان يكون حاسما، فقد اجاب بانه ليس له معلومات عن ارهابيين يدخلون تونس وبان اغلبهم يموتون هنالك، خالصا الى ان التونسيين لا يرغبون في عودتهم، وكان من الضروري تقديم اجابة دقيقة واضحة، بوجود قانون مكافحة الارهاب، وقضاء وعقوبات رادعة في الخصوص، وليس الدخول على خط التحاليل والتخمينات.

ولم تنقطع الاخطاء الفظيعة التي تعكس في عدة احيان “غير منطوق” لشخص يريد أن يثبت أكثر فرنسيته، والجواب هذه المرة حول الاجراءات التحصينية من الارهاب، كان مهينا في نفس الوقت لقواتنا المسلحة وللوطن ككل، فالتركيز كان على “التعاون مع الاصدقاء الفرنسيين والامريكان والاوروربيين بعد الثلاث هجمات لسنة 2015.. لوضع مصالح امنية.. ومن وقتها لم نشهد هجمات خطيرة..”، وهذا فيه استنقاص غريب للمجهودات العسكرية والامنية، في مقابل تركيز على المساعدات الاجنبية.

ولا اريد ان اتوسع في الامر كثيرا فكل هذا تم تسجيله في مدة لا تزيد عن 11 دقيقة فقط، ولا اريد ان اضيف اكثر والحديث عن عيد الفطر الذي سماه احتفال “انتهاء شهر الصوم”، في اشارة سيئة لتسمية رسمية ودينية تمس مشاعر المسلمين، كما لا اريد الحديث عن اشارته لمداولات مجلس الوزراء كيف تكون في عديد الاحيان باللغة الفرنسية، والحال انه وجب عليه الاشارة الى ان تونس دولة “العربية لغتها”، ولكن لا يمكن ان لا اشير الى معطى يدلّ الحقيقة عن جهل كبير لهذا الشخص، فقد اجاب ان العمالة المباشرة في قطاع السياحة هي 500 الف، اما غير المباشرة فهي تفوق المليونان، وهذا بالفعل جهل فظيع بالمعطيات، فبالرجوع لاخر ارقام المعهد الوطني للاحصاء، المنشورة حول الثلاثية الثانية لسنة 2018، السياحة اضافة للمطاعم تشغل في حدود 140 الف، والتقديرات غير الرسمية حول مجمل العمالة المباشرة وغير المباشرة في القطاع هي في حدود 600 الف.

كل هذا استخلصته من قرابة 12 دقيقة ونصف من جملة 21 دقيقة، واترك لكم مزيد استخلاص الاخطاء الاتصالية فيما بقي من بقية الفيديو، التي كانت بالفعل مسيئة للشعب التونسي، ولتونس وامنها ومصالحها الاقتصادية، ولا نظن بحال ان ما يقوم به هذا الشخص يصب في التسويق لصورة الوطن، من وزير لا يمتلك المعطيات، وفاقد للكفاءة والاهلية في مختلف المستويات.. !!

(*) باحث في القانون العام وفي الفلسفة السياسية

 

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: