فضيحة شركات سبر الآراء تُعمّق الأزمة السياسيّة في تونس!

فضيحة شركات سبر الآراء تُعمّق الأزمة السياسيّة في تونس!

أسهمت النتائج المفاجئة التي قدّمتها شركات سبر الآراء، مؤخرا، في تعميق الأزمة السياسيّة السائدة في البلاد. وباتت تُغذّي حالة التكالب على الحكم لمحاولة استباق المجهول ومداورة التلاعب القائم بخيارات الناخبين. فضيحة بامتياز كشفت أنّ بعض مؤسّسات استطلاع الرأي قد حدّدت بعدُ خياراتها، فبرّرت بذلك ما يُوجّه إليها من اتّهامات بالتلاعب بالعقول وخداع الرأي العام خدمة لمصالح وأجندات معيّنة…

كشفت صحيفة “الصباح”، منذ أيّام، أطوار فضيحة تلاعب شركة “إمرود كونسلتينغ” بنتائج استطلاع للرأي، إلى درجة تخفيض نسبة نوايا التصويت في الانتخابات التشريعيّة المقبلة لأحد الأحزاب إلى قرابة الربع في ظرف أيّام معدودة، وكأنّ قوّة خارقة قد أحكمت قبضتها على أدمغة التونسيّين، وغيّرت بسرعة البرق قسرًا انطباعاتهم ومواقفهم وآرائهم. وهو ما يُخفي لعبة مصالح متبادلة بين تلك الشركات ومستكتبيها، غير أنّ الأخطر من ذلك أنّ إقدام تلك المؤسّسات على اختلاق رأي عام مصطنع، في محاولاتها للتأثير في نواياه وفي توجّهاته بشكل فعلي خلال الاستحقاقات الانتخابيّة المقبلة…

توافق النتائج المتباينة!
ماذا أضاف سبر الآراء الأخير لمؤسّسة “إمرود كونسلتينغ” لنتائج استطلاع الرأي الذي نشرته، قبلها بنحو أسبوعين، مؤسّسة “سيغما كونساي”؟. باختزال شديد كان سبر الآراء الأوّل متوافقا مع الثاني على مستوى الاتّجاه العام لنوايا التصويت خلال الانتخابات المقبلة، لكنّه اتّسم أيضا بالتباين الشديد بين أرقام المؤسّستين المتعلّقة بفوارق النسب المئويّة المسندة إلى معظم الفاعلين السياسيّين. ففي حين حصد نبيل القروي حوالي 30 بالمائة من نوايا التصويت في سبر الآراء الأوّل فإنّه لم يحصل في سبر الآراء الثاني سوى على نسبة 26.5 من نوايا التصويت في الانتخابات الرئاسيّة القادمة. أمّا على صعيد الانتخابات التشريعيّة، ففي حين أسندت “سيغما كونساي” إلى حركة النهضة حوالي 17 بالمائة من نوايا التصويت، فإنّ مؤسّسة “إمرود كونسلتينغ” قد منحت حزب الغنوشي الأكثر تنظيما في البلاد أقلّ من 7 بالمائة تقريبا!. ويتّضح بجلاء شديد أنّ الفارق بين العمليّتين يفوق نسبة الخطأ المعتمدة في كليهما. وهو ما يعني على الأقلّ أنّ أحدهما خاطئ تماما، إن لم نقل بوضوح إنّه قد تلاعب قصدا بالنتائج والمعلومات التي أراد تسويقها للتونسيّين، مثلما تُسوّق اتّصاليّا أيّة بضاعة استهلاكيّة أخرى.
من النتائج الملفتة أيضا أنّ شركة “إمرود” قد أسندت، في استطلاعها الأخير نسبة 4.6 بالمائة من نوايا التصويت للكائن الاتّصالي والمالي الجديد “عيش تونسي”. وهو ما يتجاوز النسب المسندة إلى أربعة أحزاب، كلّا على حدة، كانت قبل شهرين تتصدّر ترتيب نوايا الأصوات، وتحديدا “الحزب الدستوري الحرّ” وأحزاب “تحيا تونس” و”نداء تونس” و”التيّار الديمقراطي” التي أظهرها هذا الاستطلاع بلا حراك ومنهارة تمامًا.
وعلينا في هذا الصدد الإشارة إلى أنّه خلال الانتخابات البلديّة المنتظمة في ماي 2018، حصلت القائمات المستقلّة على حوالي 33 بالمائة من الأصوات، وجاءت حركة النهضة في المرتبة الثانية بحوالي 30 بالمائة، في حين حلّ نداء تونس في المرتبة الثالثة بحوالي 23 بالمائة من الأصوات. ولكنّ مؤسّسات سبر الآراء كان لها رأي آخر، فقد أهملت آنذاك قصدا دور القائمات المستقلّة التي فازت بأكبر عدد من الأصوات، فصوّر صاحب شركة “سيغما كونساي” مثلا حزبي النهضة ونداء تونس، وكأنّهما الفائزان الوحيدان. وهو ما يُعدّ تلاعبا بالنتائج وبكيفيّة تقديمها وترويجها أو يبدو على الأقل عجزا تامّا عن توقّعها. أمّا اليوم، فهل يقبل المنطق أنّ كلّ المعطيات قد انقلبت رأسًا على عقب في ظرف عام واحد جرّاء حملة دعائيّة تجمع التبرّعات وإعادة توزيع الفتات على الفئات المحرومة لاستجداء عطفها ودعمها انتخابيًا؟!.
المثير للدهشة أيضا، في سبر الآراء الأخير لشركة “إمرود كونسلتينغ”، أنّ الفرق الشاسع بين نسبة 22.9 بالمائة من نوايا التصويت المسندة إلى حزب نبيل القروي، الهُلامي وغير الموجود أصلا، وبين نسبة 6.9 بالمائة الممنوحة لحركة النهضة بكلّ ماكينتها الانتخابية الضخمة تبعث حقّا على الغرابة والاستغراب، باعتبارها نسبًا لا تخضع لأيّ وجه من المنطق. فهل نحن نعيش في بلد على طريق الانتقال الديمقراطي أم في “ضيعة محروس” الإقطاعيّة؟! وهل ترغب تلك الشركات في تمريغ التونسيّين في وحل جدليّة السيّد والعبد والإقطاعي والأقنان؟!. سيّد إقطاعي يستعبد تُبّاعه لأنّه في حاجة لخدماتهم الشاقّة المفروضة عليهم، وخادم مطيع منزوع الكرامة يرفض التخلّي عن عبوديّته لسيّده لأنّه يتكرّم عليه ببعض الفتات كي يقتات وتسمح له أنفاسه الضعيفة بمواصلة رحلة الشقاء. هذه هي للأسف صورة التونسيّين في عمليّات سبر الآراء الأخيرة لشركتي “سيغما” و”إمرود”. فمنطقيّا يريد الشعب التونسي تغييرا حقيقيا في المشهد السياسي، بما يحقّق الحدّ الأدنى من انتظاراته في تحسين أوضاعه المعيشيّة. فهل يمكن تصديق أنّ هذا الشعب على درجة خياليّة من البساطة والسطحيّة والطمع غير المحدود لتنطلي عليه حيل بعض مقاولي السياسة الجدد؟!.

التلاعب المكشوف
معطى آخر في غاية الخطورة كشفت عنه جريدة “الصباح”. فقد وثّقت كيفيّة تلاعب مؤسّسة “إمرود كونسلتينغ” بالمعطيات والمعلومات والنسب وتغييرها تماما بعد ثلاثة أيّام فقط من إبلاغ المؤسّسة الإعلاميّة بها. وهو ما دفعها إلى رفض نشرها، وأمام حملة التشكيك التي استهدفتها اضطرّت إلى بثّ فيديو صوتي يعترف فيه صاحب المؤسّسة بتغيّر نتائج استطلاع الرأي بحكم تغيّر الأوضاع على الأرض، حيث تراجعت شعبيّة حركة النهضة من 25 بالمائة إلى ما دون 7 بالمائة في ظرف أسبوع واحد، وكأنّه زلزال مدمّر هائل حدث بقدرة قادر خلال أيّام معدودة دون أن يتفطّن إلى ارتداداته أيّ كان!. ومن ثمّة أعلنت الصحيفة رفضها الكلّي للسقوط في شراك السلوك الدعائي السائد إزاء هذه القضيّة المتشعّبة.
لا يخفى، في هذا السياق، أنّ مؤسّسات سبر الآراء لا يمكنها أن تحقّق مبتغاها المتمثّل في محاولة التأثير في نوايا التصويت إلّا بالتعويل على إشهار نتائجها ونشرها وإذاعتها وبثّها إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور. وهو ما لا يمكن تحقيقه إلّا عبر الميديا بمختلف وسائلها ومحاملها التقليديّة والجديدة. فمن المعلوم أنّ لبعض المؤسّسات الإعلاميّة وللإعلاميين أنفسهم دورًا ومسؤوليّة جسيمين في ما يحدث في هذا السياق. ومن باب الاعتراف بهذه المسؤوليّة، ليس بخفيّ أنّ عددا من الإعلاميّين يتعاملون بنفاق مقصود وتملّق بائن مع أصحاب تلك الشركات التجاريّة، حتّى باتوا جزءا من تجارة الآراء الوهميّة. ودون الخوض في الجوانب الجزائيّة الخفيّة، يكفي للتأكّد من ذلك الإنصات لبعضهم في عدد من الإذاعات والفضائيّات الخاصّة، كي نكتشف أنّهم يأخذون ما يصبّه أصحاب تلك الشركات عليهم وعلى الجمهور من معلومات وكأنّها تراتيل منزّلة من السماء، دون تدقيق وتمحيص ومعرفة بالخصوصيّات الدقيقة لعمليّات قياس الرأي وعيّناتها وترتيب أسئلتها وشروطها المختلفة.
من الأهميّة الإشارة كذلك إلى أنّ مؤسّسات مثل “إمرود كونسلتينغ” أو “سيغما كونساي” أو غيرهما ليست معاهد استطلاع رأي “مستقلّة”، مثلما يُروّج أصحابها، بل هي شركات ربحيّة ولا تهدف إلّا إلى الربح المادي على غرار شركات الدعاية والإعلانات التي لا تهتمّ أصلا بنوعيّة البضاعة التي تسوّقها، بل تعتمد كلّ وسائل الإغراء الممكنة لاستقطاب المستهلك ودفعه إلى تغيير عاداته الاستهلاكيّة. ومن ثمّة لا يمكن أصلا أن نتحدّث عن ضعف منهجي، باعتبار أنّ الأخطاء المنهجيّة الجسيمة المرتكبة لا يمكن أن تكون عفويّة، فالأمر لا يتعلّق بمجرّد عمليّات “إحصائيّة”. وفي مقدور أيّ مختصّ مبتدئ في علم الاجتماع أن يكتشف كيفيّة تعمّد اقتراح أسئلة دون غيرها، وذكر أحزاب وشخصيّات معيّنة وإقصاء أخرى واعتماد ترتيب محدّد لتحقيق أهداف مرسومة بشكل قبلي. وهو ما يؤدّي بطبيعة الحال إلى تغيير جذري في النتائج وتصويرها على أنّها تعكس واقع الأرض…
ومن ثمّة لا يمكن تسمية تلك المؤسّسات في تونس بـ”وكالات” أو “معاهد” سبر الآراء، لأنّها ببساطة أظهرت أنّها غير قادرة على استيعاب خطورة دورها، واختزلت أساليبها في المنوال التجاري الصرف وغاياتها في الربح المادّي السريع. فلئن كان من الطبيعي أن تحرص تلك الشركات على تأمين توازناتها الماليّة كي تطوّر أداءها وتحقّق لنفسها الانتشار والتوسّع المنشودين، فإنّها ينبغي أن تلتزم بمعايير مضبوطة وفي غاية الدقّة، نظرا إلى خطورة دورها وتأثيرها المباشر في توجيه قضايا الشأن العام…
والواضح أنّ الزعم الذي يُروّجه أصحابها بالالتزام بمقاييس وضوابط منهجيّة صارمة إنّما يندرج في قلب العمل الدعائي والربحي بالمعنى المهني لهذه النوعيّة من الشركات. فتزيين الواقع وتصويره بشكل مغاير للحقيقة يندرج ضمن المعنى الصرف للإعلانات الإشهاريّة الهادفة إلى تغيير السلوك الاستهلاكي للعملاء المفترضين في مختلف المجالات. وحتى وسائل الإعلام نفسها تُعدّ، في نهاية المطاف، شركات تُمارس نوعًا معيّنا من “التجارة” بهدف تحقيق الربح، لكن لها خصوصيّتها التي تميّزها عن غيرها من المجالات التجاريّة. فنظرًا إلى أهميّة دور وسائل الإعلام في توجيه الرأي العام، سنّ المشرّع عددا من القوانين، كالمرسوم عدد 115 المتعلّق بحريّة الصحافة والطباعة والنشر والمرسوم عدد 116 المتعلّق بالاتصال السمعي البصري، بهدف تنظيمها وتجنّب ترك الحابل على الغارب باعتبار خطورة دورها على الدولة بأسرها.
ويعود الإشكال الراهن بالأساس إلى غياب إطار تشريعي يُنظّم قطاع سبر الآراء رغم أنّ بعض الأحزاب كانت قد أودعت مشاريع قوانين للغرض لدى مجلس نوّاب الشعب. والواقع أنّ الأحزاب الكبرى تتحمّل المسؤوليّة الأساسيّة في ما آلت إليه الأمور من خطورة في هذا القطاع. فقد حالت سابقا دون تمرير تلك المشاريع لمناقشتها من باب الوهم بأنّ شركات سبر الآراء ملزمة بخدمة مصالحها دون سواها، قبل أن ينقلب سحر المصالح والخدمات الإعلانيّة ضدّها. وحتّى الغرفة النقابيّة لمؤسّسات سبر الآراء التي يرأسها صاحب مؤسّسة “إمرود كونسلتينغ”، في حدّ ذاته، سبق أن أعلنت عن إيداع مشروع نصّ قانوني لتنظيم القطاع لدى رئاسة الحكومة. وليس سرّا في أن نوضّح بأنّ أصحاب المصالح في أيّ قطاع لا يمكن أن يصدر عنهم مشروع قانون لا يخدم مصالحهم قبل أيّة جهة أخرى…
وفي المحصّلة، فإنّ انتهازيّة الأيادي المرتعشة لم تُتح تبصّر خطورة هذا القطاع إلا بعد فوات الأوان، بل سمحت بتصعيد هذه الظواهر التي انكشف أنّ لا همّ لها إلّا خداع التونسيّين ما دامت مصالحها تكمن في خدمة أجندات سياسيّة وماليّة معيّنة. ومن ثمّة أُسنِدَ إلى تلك الشركات دور محاولة التأثير في توجّهات التونسيّين خلال الاستحقاقات الانتخابيّة المقبلة أو السير نحو تأجيلها لضرب مسار الانتقال الديمقراطي برمّته. ولا ريب أنّ النتائج غير المتوقّعة لعمليّات سبر الآراء الأخيرة قد أسهمت في مناورات “الضرب تحت الحزام” قانونيًا ودستوريًا لمحاولة قطع الطريق أمام المارد المصطنع الذي اختلقته تلك الشركات. وهو ما جدّ كذلك بمجرّد الإعلان عن الوعكة الصحيّة الحادّة التي ألمّت منذ أيّام برئيس الجمهوريّة. تُذكّرنا حيل شركات سبر الآراء هنا بمقولة معاوية بن أبي سفيان ناصحًا ابنه: “يا بُني إذا خدعك أحد، فانخدعت له، فقد خدعته”…

نشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” في عددها الأخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: