”الملاك الابيض” عبد الكريم الزبيدي.. أو عودة صناعة الاساطير والاصنام

”الملاك الابيض” عبد الكريم الزبيدي.. أو عودة صناعة الاساطير والاصنام

بقلم: شكري بن عيسى (*)

لم تنطلق الحملة الدعائية لعبد الكريم الزبيدي يوم التابين والدفن، بل انطلقت منذ وفاة السبسي، عبر الحملة النفاثة للاعلام، بخلق حالة نفسية في اعلى الانفعالات، و”كلمة السر” التي وردت على الاذرع الاعلامية لشبكة التحكم عن بعد هي تهييج العواطف، والتفاعل كان عاليا لسببين اولا انخراط هذه الاجهزة الاعلامية بطبيعتها في نفس فكرة “مسدي الاوامر”، وثانيا لما في هذه الطريقة من استثارة للعواطف وتحقيق اكبر نسبة مشاهدة واستماع..

الهدف كان واضحا وينقسم الى قسمين رئيسين ولكنهما في الجوهر مرتبطين، الاول هو الدعاية من خلال امتداح السبسي لسرديات “الدولة الوطنية” و”دولة الاستقلال” و”الجمهورية”، وطمس كل العيوب العميقة في هذه المنظومة المتداعية بكل اخاديدها، وذلك لخلق هالة كبرى وحنين لمنتوجاتها ورمورزها وزرعها في عمق المخيال الشعبي، أمّا الثاني فهو الترويج لاحد رموز هذه المنظومة واصباع نوع من الاسطرة حوله، وزفّه في بدلة بيضاء ناصعة في صورة “المنقذ” و”البطل” وحتى “العظيم-الفذّ”..

طبعا ياتي ذلك في الوقت الذي تتغير فيه موازين القوى، وتخسر منظومة المخزن عديد المواقع ونقاط النفوذ الحساسة، في مقابل تطور امكانيات واسعة لصعود بعض القوى والشخصيات المنبثقة عن الثورة، في الوقت الذي لا يمكن الاعتداد بنبيل القروي ذي المنازع السياسية المافيوزية، فكان لا بد من اخراج “الخطة ب.” والمرشح البديل، الذي لن يكون سوى الزبيدي الرجل الغامض الذي يمكن تزويق صورته بكل ما يجود به الخيال والقريحة من امجاد وبطولات، ويكفي استحضار صورة الحدث الوطني لتوديع السبسي لنسبه له، والحال انه من صناعة الشعب التونسي لوحده دون غيره..

وان كان من دور لطرف آخر فهو الجيش وليس الزبيدي، وهو دور يدخل في نطاق صلاحياته ومسؤولياته ووظائفه القانونية والدستورية، مع الاشارة ان التنظيم والتخطيط والاشراف والتنفيذ كان بصفة محورية تحت مسؤولية الحرس الرئاسي، وبالتالي فالجيش وبالتبعية الزبيدي لم يكونوا سوى طرفا من بين بقية الاطراف، وكان لا بد من ابتداع حكاية وجود “انقلاب” احبطه الزبيدي، وتلك السرديات التي لا دليل عليها وان كانت موجودة فليس الشعب “راقدا على اذنه” لتمر..

الزبيدي وقع “فجأة” النفخ في صورته واخراجه في وضع المنقذ القادم، ويبدو انه هو تلذذ الامر وانخرط فيه بعد رحيل السبسي، حيث رايناه لاول مرة بحانب نعش الرئيس في المستشفى العسكري، في صورة لم نفهم مغزاها سوى انها تمرر رسالة اعلان دخوله عالم الاضواء السياسي بقوّة، والاعلام كان جاهزا للترويج المستمر كما السذاجة الفايسبوكية للصورة ذات الرسائل الحادة والخطيرة..

ولا غرابة فهذا الاعلام كان منذ الوهلة الاولى جاهزا وتقاريرة معدة سلفا، فيوم اعلان وفاة السبسي بل لحظة الاعلان كانت البلاطوات منصوبة، ولا شك ان السبسي فارق منذ عشية الاربعاء 24 جويلية، “موزاييك” تلقت الخبر منذ الرابعة زوالا وتم استدعاء كل الاعلاميين، وحتى اصحاب الاجازات تم اشعارهم بالعودة للحاجة، وتم تحديد الخط التحريري الذي انطلقت به “امينة بن دوة” منذ الاعلان القانوني للوفاة، التي تمت برفع اجهزة الضخ الطبي قبل الساعة العاشرة صباح يوم 25 جويلية..

وطبعا وضمن تلك الروحية الجياشة التي انطلقت بها “امينة” والشحن الجبار، كان لزاما على البقية اتباع الايقاع العالي في الاثارة، في سبيل المحافظة على الوجود والاستمرار وخشية الاتهام الادانة، فغابت كل المقاربات الموضوعية والزوايا العقلانية وغرق الجميع في طوفان التأليه، ولم يكن الامر عبثيا فأوّل “القطر” هو الزبيدي، الذي في الحقيقة كان مشروع استمرار دولة المخزن بثوب وطهرية الجيش هذه المرة..

مع انزياح صغير نحول المهدية ولكن دوما في ظل “الساحل”، مع استمرار نفس “عرّاب” الصفقة الذي سيبقى المتحكم في القرار، وبالتالي استمرار نفس المصالح وشبكات النفوذ تحت مباركة امريكية غامرة، لاحد المقربين من دوائرها وشبكاتها، ما يتنزل في نطاق الصراع الاوروبي الامريكي حول مراكز النفوذ في بلدنا، وتظهر بذلك الصورة واضحة لهذه الشخصية التي بقيت منذ الثورة حاضرة في كل الحكومات، دون ان يكون لها بروز فارق لتظهر فجأة كخيار انطلق الترويج له بقوة اليوم على انه “الوحيد”..

وطبعا “كان على” هذه الماكينة “النفّاثة”، المدويّة ليلا نهار، أن لا ترى لا بالعين اليمنى ولا اليسرى، الطائرة التي اخترقت الجنوب التونسي، وصرّح فيها الزبيدي بأنّه لا يمكن كشفها، وأنّ تونس لا تمتلك اعتمادات لشراء جهاز رادار يبلغ ثمنه 16 مليون دولار، في فضيحة غير مسبوقة، في مس الامن القومي والتصريح المسيء لصورة تونس، كما “كان عليها” ان لا ترى ان الزبيدي ابينا ام كرهنا جزء من المؤسسة العسكرية، التي لا يمكن بحال توظيفها في الصراع السياسي، ولا ادخالها فيه عبر استدعاء شخصية من دائرتها لاعلاء اسمه في الحلبة السياسية، وهذا من شألنه أن يضر بالمؤسسة الحامية للوطن ويضرب مصداقيتها وحيادها، ويضرّ بجوهر الديمقراطية التي يوظفون شعاراتها في حملاتهم!!

(*) باحث قانوني وفي الفلسفة السياسية

annaharnews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: