موت السبسي يربك حسابات الشاهد

موت السبسي يربك حسابات الشاهد

بقلم: شكري بن عيسى (*)

لم يمر موت الرئيس السبسي دون ان يحدث رجات كبرى في المشهد السياسي، لم يتوقّعها اكثر المراقبين دقّة وتمحيصا، ولعلّ أكثر المعنيين بالرئاسة هو الشاهد، الذي يبدو أنّه دخل في حيرة كبرى بعد رحيل الرئيس، بتنصيب سريع لرئيس جديد (محمّد الناصر) وظهور مرشّح منافس جدّي (الزبيدي)، وتقديم الانتخابات الرئاسية الى 15 سبتمر، التي خلطت أوراقه في تدارك العجز الرهيب، الذي يفصله عن بقية المراهنين الى قرطاج القروي وقيس سعيد وعبير موسي.

الشاهد لم يكن يتوقع سيناريو أكثر قتامة بالنسبة لطموحه للرئاسة من الذي حصل برحيل السبسي، ويبدو أن المرحوم الذي جاء به للمشهد السياسي وأعطاه مكانة لم يكن ليحلم بها، هو من نزع عنه كل حظوظ في الوصول لقرطاج، فساكن القصبة لم يدخل في حيرة على الاغلب فحسب، بل دخل في ارتباك عميق خاصة وانه بالكاد لم ينه حزبه بسلام الترشحات للتشريعية.

ساكن القصبة وابرز ارباك هو الضغط الذي أحدثته الرزنامة الجديدة للانتخابات التي اعلنها بافون، وكانت على الظاهر فاجعة بالنسبة له ولحزبه، اذ لم يكن في حسبانه ان تكون الانتخابات قبل شهرين على موعده الاولي، وقبل ثلاثة اشهر على انتهاء الاجل النظري لحكومته، فوجد نفسه في مأزق عميق لان اعلانه اليوم الترشح سيدفع الجميع الى المطالبة برحيله من الحكومة، وسيثبت سعيه ولهثه المحموم وراء السلطة الذي لطالما اتهمه خصومه به.

رئيس “حزب القصبة” كان يتحيّن الفرص لايجاد البيئة والمناخ لـ”زف” ترشحّه، امّا ارتباطا بحدث ما أو في وسط الغفلة حتى لا يثير النقد والسخط، الاّ ان الامور لم تكن كما كان يحسب لها، والاشكال الاكبر هو أنّه ينطلق بعجز في الشعبية على جميع المستويات، فالنتائج الفعلية بتراجع حاد للنمو وتعمّق العجز التجاري وتصاعد المديونية، تعززها ارقام استبيانات الراي السلبية جدا بالنسبة له ولحزبه، فـ”سيغما كونساي” لشهر جويلية لا تعطيه سوى 7% (وهي مقاربة لنسبة استبيان مؤسسة امرود)، في مرتبة متدنية مقابل القروي بـ 23% وقيس سعيد بـ20% وعبير موسي بـ14%، في الوقت الذي يتقهقر حزبه ايضا دون 8%..

اعلان تحديد الترشحات للرئاسية الاسبوع القادم 2 أوت الى غاية التاسع من نفس الشهر، لن تسمح له بما انخرط فيه من تدشينات ومناورات سياسية واستعراضات من اجل تحسين صورته، والاستثمار في بعض المنجزات التي تحققها الادارة لينسبها لنفسه في سباق وجودي، المهم أن لا يخرج من السلطة التي ان غادرها يبدو انه لن ينال غنيمتها لاحقا، والواضح ايضا انه ان كان ينتظر اعلان حدث ما فيه منجز هام، او “فرقعة” كبرى لتغيير عميق، لكن لم يعد الظرف مناسبا لهكذا امر، وهنا مكمن الارتباك العميق.

ولعلّ مراسم الدفن زادت في ابعاده عن الاضواء، حيث لم يسمح له البروتوكول بالقاء كلمة ليظهر بها، وغطّى المكلّف بمهام الرئاسة محمد الناصر عليه، وحتى المحاولات التي شاهدناه فيها لابراز صورته من فريق مستشاره الاعلامي المسدي الذي صوّر التأبين، لم ينجح فيها بدرّ دموعه التي كان يعتصرها وطاردها “الكاميرامان” عبثا، ولم يحقق بها ما كان يرتجيه من استثمار كان عاليا، من خلال التصوير التلفزي الذي كان مركاتو لابراز بعض الوجوه وشطب اخرى، بطريقة أثبتت ان الاعلام لم يتعافى ولازال يشوبه عديد الامراض العصية على الشفاء.

الاعلان الفوري للانتخابات الرئاسية، احبط ايضا كل امكانية لـ”احياء” مشروع قانون تعديل الانتخابات، من أجل اقصاء المرشح الابرز (حسب الاستبيانات) القروي، وهو ما اعلن من اجله ساكن القصبة حرب ضروس، واطلق كل منصاته الاعلامية والسياسية حينها ضد السبسي، التي وصلت حتى للتشكيك في مداركه رحمه الله، الى درجة انه خرج مضطرا في آخر ظهور له مع الزبيدي وهو في حالة صحية غير مريحة، مشروع القانون الذي لم يمضيه المرحوم ولم ينفّذ في التشريعية، اعدّوا كل القاصفات لدفع السبسي لامضائه والانتفاع بمغانمه العالية في الرئاسية، لكن يد الله احبطت كل “كمبنة” سياسية.

ايضا الحزب الفاقد لكل منجز والعاطل اليوم عن ابتداع اي تخريجة لتقديم نفسه بها، يبدو انه كان سيركّز محور هجومه على نجل المرحوم حافظ، لابراز التناقض العميق والتباين معه من جهة، ولابراز انه كان عامل الاعاقة الاكبر واعتماده كشماعة لالصاقه الفشل الحاصل، لكن يبدو ان الموت احبط هذا الخيار، اذ لم يعد ممكنا اليوم الحديث لا عن توريث ولا شن هجوم على المعني، الذي عرف كيف يختار التراجع والابتعاد عن محاور الهجوم، بتجنّبه الاحتكاك والتنازع.

وربما العامل الابرز في الارباك هو عدم جاهزية الماكينة، التي لم تجهز بعد ولم يقع تدويرها في خلق قاعدة زابونية فعالة، ناهيك ان البروفة الاولى في بلديات سوق الجديد بسيدي بوزيد الجزئية والثانية في باردو، كانت فاشلة للغاية وتبرز اعاقة عضوية حادة، لهذا الحزب الذي ولد في حالة وهن لم يتصوّر احد ان تصل الى هذا الحد!!

(*) باحث قانوني وفي الفلسفة السياسية

annaharnews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: