الجملي..بالون اختبار.. من التّالي؟

الجملي..بالون اختبار.. من التّالي؟

حياة بن يادم

بعد أن أفصحت الصناديق عن إرادة الشعب التونسي، بفوز حزب حركة النهضة بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية 2019، و المتحصل على 52 مقعدا من مجموع 217، انطلق في اتصالات ماراتونية لجسّ النبض حول تشكيل الحكومة القادمة على قاعدة بيان شورى النهضة رقم 32، الذي يعتبر أن القصبة هي مركز السلطة في تونس، مع كل مكونات المجلس النيابي باستثناء حزب قلب تونس و الحزب الحر الدستوري و مع المنظمات الوطنية و ممثلي المجتمع المدني و الشخصيات الوازنة حسب تقديرها.

و على وقع بيان شورى النهضة 33 الذي انقلب 180 درجة على رقم 32، حيث اعتبر ان باردو هي مركز السلطة في تونس، مع الأخذ بعين الاعتبار النتائج الأولية من المفاوضات التي بينت رفض عديد الأطراف بأن يكون العنوان الحكومي نهضاويا بامتياز، تم تكليف الحبيب الجملي كمستقل لترأس الحكومة القادمة.

أكّد الجملي استقلاليته و انفتاحه على جميع الأحزاب، بما في ذلك التي تعارض حزب حركة النهضة. و بيّن أن مشاوراته ستكون مع جميع الأطراف من أحزاب و منظمات و شخصيات دون استثناء، إلّا التي تقرر عدم رغبتها في التشاور. و أوضح أن الحكومة القادمة ستكون على أساس إيجاد برنامج عمل مشترك دون التحفظ على أي طرف، و ستتكون من مزيج من غير المتحزبين و المتحزبين على شرط توفر النزاهة و الكفاءة.
كما أفاد أنه سيتم دراسة هيكلة الحكومة و الأخذ بعين الإعتبار التقليص في عدد الوزارات مع إمكانية إحداث أقطاب للوزارات المتكاملة.
بعدما تمت الاستجابة بأن تكون الشخصية المكلفة بتكوين الحكومة مستقلة، و بعد اسبوع من انطلاق المشاورات، يتبين و أن كل الاطراف المذكورة سابقا باستثناء حزب تحيا تونس الذي اختار بكل وضوح تموقعه في المعارضة، حيث صرّح أمينها العام سليم العزابي، بعد مقابلته لرئيس الحكومة المكلف قائلا : “أكدنا له أن الموقع الطبيعي لحركة تحيا تونس هو المعارضة، لكنها ستكون دائما قوة اقتراح خاصة وأنها قد مارست الحكم وسيكون لها موقف بنّاء”. نجد بقية الأطراف لم ترمي بياضها رامية الكرة في ملعب رئيس الحكومة المكلف محشوّة باشتراطات أخرى ومتناقضة فيما بينها.

إذ نجد اطرافا رافضة لمشاركة الأحزاب في الحكومة القادمة حيث رصدنا المواقف التالية الصادرة عن:

موقف منظمة الأعراف الذي اشترط ان تكون الحكومة من كفاءات وطنية غير متحزبة و أن يكون دور الأحزاب في البرلمان فقط.

موقف الاتحاد العام التونسي للشغل الذي صرح أمينها العام “أن المرحلة تتطلب النأي عن التجاذبات و تكوين فرق حكومي متجانس في أداءه و قادر على التحدي”. كما اقترح إفراد قطاع الطاقة و المناجم بوزارة.

نقابة القضاة التونسيين بدورها عبرت عن رغبتها في أن يكون وزير العدل شخصية مستقلة عن جميع الأحزاب.

و في المقابل نجد الأحزاب تتفاوض على قاعدة الغنيمة بأكثر ما يمكن من الحقائب. لكنها ترفع الفيتو فيما بينها خاصة رفض كل من التيار و ائتلاف الكرامة و النهضة المشاركة في حكومة يكون قلب تونس ممثلا فيها.
ليجد الجملي نفسه في وضعية صعبة بما أنه التزم بعدم إقصاء أي طرف حيث تشاور مع قلب تونس الذي فاز بالمرتبة الثانية في انتخابات 2019، متحصلا على 32 مقعدا. و ربما سيلتجأ لتجاوز هذا الشرط بتشريك قلب تونس تحت غطاء “الكفاءات المستقلة”، حيث استدعى فاضل عبد الكافي معتبره “كفاءة مستقلة”، و الحال و أنه هو من كان صرّح قبيل الانتخابات التشريعية أنه ساهم رفقة مجموعة من الخبراء في إعداد البرنامج الإقتصادي لحزب قلب تونس.
و هذا يتماهى بما صرّح به نبيل القروي حول موقفه من الحكومة المرتقبة إثر مقابلته لرئيس الحكومة المكلف حيث صرّح قائلا: “ضرورة اختيار كفاءات وطنية، بعيدا عن المحاصصة الحزبية”.

هذا ما يجعل حسب تقديري،أن اتفاق باردو بين النهضة و قلب تونس ليس منفصلا على القصبة الفرق ان علاقة باردو للعموم و علاقة القصبة وراء الأبواب المغلقة مفتاح سرّها “الكفاءة المستقلة”.

كما نجد التيار مازال في حملة ضد الشريك المحتمل في الحكومة، حيث صرّحت مؤخرا القيادية سامية عبّو : “النهضة تواصل سياسة التّمكين وتعتمد الداخلية والعدل للتجسّس والابتزاز وخدمة اللوبيات وتبييض الأموال”. هذا ما يجعل الحكومة المرتقبة تفتقد للثقة و الانسجام بين بعض مكوّناتها.

لكن اعتراض التيار الشديد لوجود قلب تونس في الحكومة، سيذوب تحت يافطة “الكفاءات المستقلة”، شريطة تحصّله على حصّته. حيث بينت الصورة المتداولة مؤخرا و التي تظهر قياديين من الحزبين المذكورين آنفا في حالة عناق و انسجام تؤشر على أن ما يقال في الإعلام مغاير للكواليس.
إذا ما تمت الخطة التكتيكية التي اعتمدتها النهضة برفضها مشاركة قلب تونس ظاهريا و قبوله من باب “الكفاءات المستقلة”، في ظل غضّ النظر من طرف التيار و ائتلاف الكرامة، فإننا أمام حكومة حزبية بامتياز.
لكن في المقابل نجد الإتحاد العام التونسي للشغل و منظمة الأعراف اللذان يرفعان فيتو أمام الأحزاب يجعل من تشكيل الحكومة على وقع الخطة المذكورة سابقا بالأمر الصعب.

بعد أسبوع من المشاورات، و التي لم يتميز فيها رئيس الحكومة المكلف عن سلفه، إذ نسج على منواله، حيث استدعى نفس “الشخصيات الوطنية”، و لم يأخذ بعين الاعتبار النفس الثوري التي صدحت به الصناديق و لم نجد من الشخصيات التي تم استدعاءها لأخذ رأيها لها نفس ثوري. بل بالعكس تم استدعاء بعض الوجوه الإعلامية التي تعتبر عرّاب الثورة المضادة.
كما لم نلحظ وجوه شبابية و التي كانت سيدة الصناديق و وجوه نسائية في المشاورات، و هذا ما يفقده الدعم الشعبي الذي يتمتع به رئيس الجمهورية.
لكل ما سبق و أمام هذه الصعوبات، أعتبر تكليف الجملي بتشكيل الحكومة القادمة بالون اختبار للخطة المعدة سلفا. و يبقى السؤال إن لم ينجح الجملي في تكوين الحكومة فمن التالي ؟.

annaharnews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: