النخبة التونسية.. جزء من الحل أم مظهر من مظاهر الأزمة ؟

النخبة التونسية.. جزء من الحل أم مظهر من مظاهر الأزمة ؟

 

عادل بن عبد الله

لا شك في أن أغلب النخب التونسية تنتمي إلى ما اصطلح على تسميته بـ”المجتمع المدني”. وليس يعنينا في هذا المقال التأريخ للمجتمع المدني (وريث المجتمع الأهلي) ولا تتبع علاقته بالمجتمع السياسي منذ الاستقلال الشكلي عن فرنسا، إذ يكفينا أن ننطلق من كونه يحيل مبدئيا إلى منظمات وجمعيات تشترك في أنها “غير حكومية” و”غير ربحية”، أي هيئات تتحرك خارج الأجهزة الرسمية للدولة وليس بالضرورة ضدها أو ضد الحقل السياسي بمختلف تشكيلاته الحزبية. وسنحاول في هذا المقال أن نقف على عينة من آليات اشتغال المجتمع المدني “الحداثي” والوقوف على رهاناته والقيم التي يدافع عنها، وذلك من خلال مبادرة أطلقها 25 شخصية من “المثقفين” التونسيين واختاروا لها اسم “المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة”.

الرئيس والمجتمع المدني

بحكم انحصار السجال العام في القضايا المتعلقة بإدارة الشأن السياسي وتصريف اليومي، كان من المنطقي أن تمرّ ملاحظة رئيس الجمهورية -والتي أكد فيها- خلال كلمته بمناسبة انطلاق الثورة التونسية يوم 17 كانون أول (ديسمبر) 2010 ـ على أنّ “المجتمع المدني متقدم على المجتمع السياسي” دون أن تكون محورا للسجال الإعلامي المتمركز أساسا حول القضايا السياسوية، والمرتبط بأجندات وإشكالات ورهانات لا علاقة لها بأي تأصيل نظري أو مراجعة نقدية.

فلم يجد الإعلام -ولا مثقفونا- ما يدعوهم إلى محاورة الرئيس في تلك “المصادرة” التي جاءت طيّ كلامه في حكم “البداهة” التي لا تحتاج إلى برهنة. ومن المؤكد أن الرئيس التونسي لم يكن يشك لحظة أنه بـ “تبديه” تلك المصادرة -أي جعلها في حكم البداهة- يدافع عن إحدى “خرافات النمط المجتمعي التونسي” التي تحتاج في الحد الأدنى إلى المساءلة والمقاربة النقدية الجذرية، وتحتاج في الحد الأقصى -أي الحد الثوري الذي يرى الرئيس أنه ينتمي إليه ويتحرك ضمن استحقاقاته- إلى التجاوز الجدلي.

ونحن بملاحظتنا السابقة، لا نطالب الرئيس بالقيام بدور “النخب”، ولكننا ندعوه فقط إلى إعادة تقييمه لدور المجتمع المدني وعلاقته بالمجتمع السياسي قبل الثورة وبعدها. وإذا كنا لا نشك في أهمية المجتمع المدني داخل الانتظام السياسي الحديث، فإننا نشك في “استقلالية” هذا المجتمع وفي دوره المواطني، ومن باب أولى نشك في أنه “متقدم على المجتمع السياسي” وفي كونه متحرر أصلا من قبضة السياسة وما يحكمها من رهانات ومصالح مادية ورمزية مازالت -إلى حد كبير- مرتبطة بالمنظومة السلطوية الحاكمة قبل الثورة بلحظتيها الدستورية والتجمعية.

مدنية الدولة

ونحن لا نزعم أنّ “المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة” يختزل المجتمع المدني “الحداثي”، ولكننا نزعم أنه يعكس منطقه وبنيته العميقة، خاصة في التعامل مع الواقع السياسي الذي انبثق بعد الثورة، وفي عجزه الواضح عن بناء خطاب يتوافق مع استحقاقات اللحظة التاريخية بعيدا عن شبكات القراءة المأزومة التي تحولت إلى عوامل “لا وظيفية” من جهة بناء “المشترك الوطني” -حسب المعجم السياسي الحديث- أو “الكلمة السواء” حسب المعجم القرآني.

البيان مكتوب بعقلية “الخصم والحكم”

وللبرهنة على وجاهة الأفكار الواردة أعلاه، يكفي أن نطلع على البيان التأسيسي للمرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة. وهو بيان يوقفنا على دوافع التأسيس من وجهة نظر “المثقفين” الموقعين عليه أو المدافعين عنه، تلك الدوافع الخمسة التي يمكن إعادة صياغتها على الشكل التالي، مع التعقيب عليها بصورة مقتضبة ومكثفة:

1. الهجومات الشرسة على الدولة المدنية ومؤسساتها من لدن “الإسلام السياسي” (أي حركة النهضة بصورة خاصة) الذي يسعى إلى “التمكن من مفاصل الدولة” وهو ما “يهدّد باستفحال قيم دخيلة على المجتمع التونسي وعلى ثقافته المتجذّرة في الوسطيّة والاعتدال”.

ومن البيّن أن من وضعوا هذه النقطة ينطلقون من جملة من الأفكار التي يرى أنها لا تقبل “الحوار العمومي” من مثل فهمهم “اللائكي” الفرنكفوني لمدنية الدولة وللعلاقة بين الديني والسياسي، وكذلك فهمهم لدور الديني في بناء “المشترك” الثقافي أو التشريعي بعيدا عن إدارة الدولة ونخبها لتلك الملفات منذ الاستقلال، وبعيدا عن “الإرهاب اللغوي” الذي يمارس على كل مقاربة مختلفة بدعوى خروجها عن “الوسطية والاعتدال” وتعبيرها عن موقع تلفظ “متطرف”. ولعل أخطر ما جاء في هذه النقطة هو الدعوة من طرف خفي إلى منع “الإسلاميين” من دخول الدولة ومراكز إنتاج المعرفة وممارسة السلطة فيها، وهي دعوة إلى الإقصاء على أساس إيديولوجي مخالف للدستور، ولكنها مسألة لا يبدو أنها تهم الموقعين على البيان التأسيسي أو تدعوهم إلى مراجعة مواقفهم.

2. تكريس الخيارات الاقتصادية للتبعية السياسية لدول معروفة بمعاداتها للديمقراطية (وهم يقصدون تحديدا تركيا وقطر)، وهي دول يتهمها البيان التأسيسي بـ “دعم التطرّف الديني في بلادنا وفي دول صديقة أخرى، وتتدخّل لتخريب مسار التحول الديموقراطي”.

ولا شك في أن واضعي البيان التأسيسي لا يأبهون لتهافت منطقهم الحجاجي أو لقيامه على ازدواجية المعايير والمغالطات. فحتى لو سلّمنا جدلا أو اعتباطا بأن تركيا وقطر تدعمان “الإرهاب” وتسعيان إلى “تخريب التحول الديمقراطي”، فإن على أصحاب البيان أن يعطونا موقفهم من دور السعودية والإمارات مثلا في دعم ذلك الإرهاب داخل تونس وخارجها، وكذلك دورهما في تخريب التحول الديمقراطي في تونس ومصر واليمن وسوريا وغيرها من “الدول الصديقة”.

أما مسألة التبعية الاقتصادية، فإننا لا ندري كيف تغافل الموقّعون على البيان طبيعتها البنيوية الثابتة من عهد الاستقلال الصوري عن فرنسا، كما لا ندري كيف ينظرون إلى الدور الفرنسي المؤكد في تكريس التبعية الاقتصادية والثقافية وفي تخريب أي مشروع لبناء مقومات السيادة الوطنية.

3. إفراغ مبدأ دولة القانون والمؤسّسات من محتواه بالسّطو الممنهج على مؤسّسات الدولة (الإيزي، الهايكا، هيئة الحقيقة والكرامة..) وبتدجين أغلب المؤسّسات الإعلاميّة بشتّى أساليب الترغيب والترهيب”. ولا شك في أن حضور المعجم القانوني (السطو) مقرونا بمنطق “الغلبة” السالب للشرعية (التدجين) والمنطق الأخلاقي (الترغيب والترهيب)، لا يعكس الواقع الذي يعيشه التونسيون -وتشهد له الوقائع- بقدر ما يعكس عقلية كتبة البيان التأسيسي أو عالمهم المتخيل.

ولأن البيان مكتوب بعقلية “الخصم والحكم”، لم يشكّ الموقعون عليه عن إفراغ “مبدأ دولة القانون والمؤسسات” من محتواه خلال فترة حكم المخلوع ومن سبقه، ولم يروا أن كلامهم يحتاج إلى أدلة تخرجه من دائرة الكلام المرسل. فكيف سطت النهضة على “مؤسسات الدولة” والحال أن أغلب المؤسسات المذكورة أعلاه قد أُسندت إلى “حداثيين” ولا نكاد نجد فيها نهضويا واحدا، وكيف “دجّنت” “النهضة” الإعلام وهي موضوعه / ضحيته المثالية في أغلب المنابر الإعلامية الخاصة أو العمومية؟ وعلى افتراض صحة هذه الدعاوي، هل يمكن حصرها في النهضة دون غيرها من سائر الفاعلين السياسيين؟ إنها أسئلة لا تعني العقل “المدني” الحداثي، لأنها في النهاية ستنقض منطقه من قواعده.

4. إقصاء الكفاءات الوطنية من مواقع السّلطة والقرار بسبب المحاصصات الحزبية ولأغراض فئوية وإيديولوجية معادية للدولة المدنية وللنظام الديمقراطي مقابل حرص قوى الإسلام السياسي على تعيين الأكثر ولاء وتطرّفا فكريّا وإيديولوجيا في المناصب العليا للدولة، جاعلة من الولاء معيارا وحيدا في التعيينات بدل معيار الكفاءة والوطنية”.

ونحن لن نرد على هذا المنطق بتذكير أغلب الموقعين على البيان بأنهم كانوا جزءا من جهاز القمع الإيديولوجي لدولة المخلوع التي كرست مفهوم الولاء قبل الكفاءة، كما أننا لن نطالبهم بتذكيرنا بمواقفهم النقدية من تعيينات الرئيس الراحل وحكومتيه، تلك التعيينات القائمة على الولاء وعلى الفئوية (والجهوية)، ولكننا فقط سنكتفي بأن نطالب الموقعين على البيان بذكر أسماء المسؤولين “الأكثر تطرفا فكريا وإيديولوجيا” ومظاهر تهديدهم للدولة المدنية وللنظام الديمقراطي.

5. تناقض برامج قوى الإسلام السياسي مع “النموذج الديمقراطي المدني الذي قامت من أجله الثورة وتهديدها لمكاسب الجمهورية” و”تكشف سعيهم الحثيث إلى تأسيس دولة دينية بالرغم من خطابهم المزدوج الذي يعلن خلاف ما يعملون له”.

بصرف النظر عن الوصاية “الأبوية” التي يمارسها الموقعون على البيان (فتجلعهم يتحركون ضمن الاستعارة الرعوية وإن ظنوا أنهم يقاومونها)، فإن من حق التونسيين أن يتساءلوا عن دور نخبهم في بناء ذلك النموذج، وعن الدور الذي يتركونه للإرادة العامة للمساهمة في بنائه. فنحن -حسب البيان التأسيسي- أمام نموذج “جاهز ومكتمل” ولا يقبل الحوار العمومي، كما أننا أمام نموذج يتعارض بالجوهر والقصد مع أي مرجعية دينية.

فأي إدراج للمعطى الديني -حسب البيان التأسيسي- هو مظهر من مظاهر “الخطاب المزدوج” للإسلام السياسي، وهو مقدمة لدولة دينية بالضرورة. إننا في حضرة خطاب “لائكي فرنسي” ليس فيه من “الَتونسة” و”الوطنية” إلا لغته العربية، وليس فيه من المدنية إلا الفهم اللائكي المأزوم لعلاقة الديني بالسياسي، ذلك الفهم القائم على استبعاد الدين من الفضاء العام و”تأنيثه” باعتباره شأنا خاصا -وإن كانت الدولة قد طاردته في عهد المخلوع حتى خلف أبواب المنازل، ومازالت فرنسا تصر على مطاردته وتجريمه انطلاقا من رفض نخبها للثقافات الفرعية، خاصة منها الثقافة الإسلامية-.

لقد كان هذا المقال محاورة ضمنية للرئيس التونسي عندما صادر على أنّ المجتمع المدني متقدم على المجتمع السياسي، وقد أثبتنا فيه احتياج تلك المصادرة إلى التنسيب أو المراجعة. فالمجتمع المدني التونسي هو في أغلب هيئاته مجرد امتداد للمجتمع السياسي.

أما المجتمع السياسي فهو مجرد واجهة لمصالح محلية وإقليمية ودولية تحتاج لتكريس هيمنتها إلى جملة من الاستعارات الكبرى كالوطنية والمدنية والحداثة والتقدمية والديمقراطية وغيرها. كما تحتاج تلك الشبكات التي يمكن اختزالها في تعبير “الدولة العميقة” إلى منع أي تغيير جذري في بنية السلطة والثورة وفي آليات إنتاج الخيرات المادية والروحية وتوزيعهما، فضلا عن احتياجها إلى منع انبثاق أي مشروع مواطني اجتماعي أو كتلة تاريخية تتجاوز الحروب الهووية “القاتلة”، تلك الحروب التي لا يمكن أن تدار إلا بالاستعاضة عن المنطق النقدي بالمنطق الإيديولوجي الصدامي مهما كانت “مقدساته” العلمانية أو الدينية.

عربي21

annaharnews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: