ثم تحدثوا في الدّوار أن أمي ستموت…

ثم تحدثوا في الدّوار أن أمي ستموت…

نصر الدين السويلمي

كانت هي الكبرى في ريف بلا ماء ولا ضوء ولا مطر تتعهد ارضه الجدباء، كانت بنية تكبر كوكبة من الاولاد.. كنا نستعد إلى الموسم الدراسي وكان الوالد دأب على إسداء النصيحة، هناك نصائح عامة في كيفية التعامل مع الكلاب في الطريق، نصائح اخرى تعتني بالوادي اذا انهمر “حمل بالماء” ثم مع أصحاب الجرارات ثم مع حركة المرور حين نصل المدينة، اضافة إلى جرعات معنوية لتقتل بداخلنا فكر العبّاثة ونصائح اخرى تشبه في عصرنا الحديث الاسعافات الاولية..

لكن الملفت والغير معهود ان الوالد وبعد الانتهاء من النصائح العامة، يختلي بالأخت الكبرى، ويشرع في دورة من النصائح الخاصة! كان ذلك يثيرني ! بماذا تختلف عنا؟! لماذا يخصها؟!! ثم وحين استمع اليه يخبرها عن طريقة الانسحاب من الطريق! تتسارع دقات قلب الطفل الصغير، يمضي الوالد في الإسداء دون أن ينتبه إلى أن الولد استنفر جميع حواسه وأصبح يتابع الحديث بتركيز كبير!!! كيف تنسحب الاخت الكبرى لوحدها دون إخوتها الصغار؟!! لماذا يحدد لها علامات! إذا جاء الخطر في المكان الفلاني فالانسحاب السريع يكون نحو البيت الفلاني، اما اذا داهمك في النقطة الفلانية فيكون الانسحاب إلى بيت فلانة!!! ما هذا ! هو لا يتحدث عن هجوم الكلاب ولا الضباع ولا حتى الديناصورات! ثم هي أصلا مكلفة بحمايتنا من جميع الأخطار!!! كيف يسمح الوالد لنفسه برسم خطة لابنته البكر لتنسحب دون اخوتها الاولاد الصغار!!! أي نوعية من الخطر تتطلب أن تترك الاخت الكفيلة اخوتها الاولاد الصغار في قلب الطرق وأمام الخطر المحدق وتنسحب، ثم تأتي توصيات الأب لتزيد الطين بلّة “حينها لا تشغلي نفسك بهم!!!” يبدو أن هناك مهمة أخرى أنبل من رعاية الاخوة يجب ان تنجح فيها ابنة 12 سنة!!!

من الطاف الله ان التوصيات لم تر النور ولم يسبق ان تركتنا الاخت لمصيرنا، كنا ندرس في الصباح ثم بعد الظهر، خلال الوقت الطويل الفاصل بين الحصتين كانت الأخت تشتري مع ثلاث إخوة خبزة “اذا لم تتوفر الكسرة” وعلبة حليب “باكو او دبوزة”.. أما الخبزة فلا مشكل معها، تتم قسمتها الى اربعة ارباع، تبقى المشكلة في الحليب! الذي ستتداول عليه أربعة أفواه، هنا يأتي دور الأخت الكبرى، التي ستراقب قيمة الجرعة، إذا كان “باكو” سيسهل عليها الأمر لأنها ستثقبه ثقبة صغيرة تمكن فقط من تسريب بعض الحليب لإرخاء المضغة حتى تمر بسلاسة، لم يكن المهم أن تتغدى بالحليب، بل المهم انك لم تتغد بالخبز الشايح! كانت الأخت عادلة وحاسمة لأن توصيات الوالد عادة ما تكون صارمة “لا تحايلي عليهم لا تخليهم يحايلوا على بعضهم”.. تماما كما حركة المرور في بعض الأحيان نقع في الخلط أو التحايل أو السطو! دالتي لا موش دالتك! انت شربت.. تكذب.. انت هو لتكذب.. هنا تتدخل الاخت لفرض القسم “قول اقسم بالله ما شربت.. والأقرب قول والله ما شربت” إذا أقسم يتدارك جرعته فيشرب جرعتين يختار التوقيت المناسب لهما أو للجرعة المخلوفة، اما اذا تتعتع ونغنغ، فتتخذ الاخت قرارها بالمرور الى الاخ التالي والجرعة التالية.

كنا نجلس في الشتاء تحت جدار “التنمية” كانت السفّاية تسفي، والعجاج يعجج ونادرا ما نأكل الخبز أو الكسرة دون “تغزغيز”. جاء السيرك الى القصرين وفرحنا كثيرا، كنا نتجمع مع الأولاد خلال الوقت الفاصل لنراقب الحيوانات وخاصة القرود والاسود، كانت سعادة كبرى، من اغرب ما سمعناه أن من بين التلاميذ في المدرسة من دخل إلى السيرك!!! هل يملك التلاميذ سعر السيرك؟ هل يدخل الأولاد إلى السيرك؟ هل تكفيهم أموال والدهم للمؤنة والأدوات المدرسية ثم يفضل للسيرك!!! كان يصعب تصديق ذلك لكنه حدث بالفعل وتيقنا منه بعد أن تتبعنا الأمر بدقة!

كان أحد التلاميذ الذين يقطنون معنا في الريف، وكونه وحيد والديه، حين نشرع في رحلة العودة الى البيت، يمكنه يوميا وبتوصية من والده شراء ربع خبز بالطماطم او الهريسة “كريدي من عند الحانوت”، كان ربع الخبز المحشي بـــ50غ طماطم أو هريسة يسبب لي عقدة كبيرة ظلت تلاحقني الى وقت متقدم من سن المراهقة!!! وكأنّ الحرمان كل الحرمان اجتمع في ذلك الموقف، كانت اختي تراقب بحكم توصيات الوالد وتنهر إذا تطلب الأمر “ما تخزرش ليه كيفاش يأكل اخزر لجهة أخرى”، لكني كنت في صراع كبير، كنا نطلق عليه فلان الغني!!! كنت اقول في نفسي وقت لنكبر ونعرّس ونجيب الذري، نشري لكل واحد من ذريا كسكروت بالطماطم في الصباح وكسكروت بالهريسة في العشيا ما نخليهمش كيفي…

كانت الحياة تسير رغم أنفها وأنفنا، كنا نتعب ونسعد، ولأن الأسرة قوية ومتماسكة وانفاسها تبعث الدفء في الطفولة المرهقة، لم تكن خصاصة الريف لترهق أبناء الريف، إنما يأتي الإرهاق كل الارهاق من احتكاك أبناء الريف بأبناء الحضر، عندما تشعر ان خلف هذا الوادي الجاف طفولة ناعمة مختلفة، هناك تبدأ المأساة… رغم ذلك كنا سعداء، كانت الاسرة اقوى من الجفاف المناخي والمادي.. مضت الحياة يشدها التآزر إلى أن مرضت الوالدة، ثم استفحل المرض ثم طال ثم تحدثوا في الدّوار أن أمي ستموت… ثم انقطعت اختي عن الدراسة في السنة السادسة!!! ثم لم نجتمع نحن الاخوة تحت صور التنمية ابدا! ثم حاول الوالد أن يجمعنا على باكو الحليب والخبزة فلم يفلح… تفرق ذكورها بعد أن غابت إناثها… عادت أمي من بعيد، من شبه موت الى الحياة.. لكنها عادت متأخرا وبشكل متعثر، لقد أجهز مرضها على كل حظوظ الاخت الكبرى… في وقت مبكر من عمر الفتاة البكر، انتهت القراءة والمحفوظات والتعبير والإملاء.. وحل محل ذلك، جيبي الماء.. اغسلي الصابون.. فرشي الفراش.. انصبي العشاء.. نظفي المراح.. فلڨي الحطب…

annaharnews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: