الفخفاخ وصل إلى زنقة لا يخرجه منها إلا الغنوشي وعليه أن يذهب إليه مرات كثيرة أو يعلن تخليه عن التكليف

الفخفاخ وصل إلى زنقة لا يخرجه منها إلا الغنوشي وعليه أن يذهب إليه مرات كثيرة أو يعلن تخليه عن التكليف

الفخفاخ وصل إلى زنقة لا يخرجه منها إلا الغنوشي وعليه أن يذهب إليه مرات كثيرة أو يعلن تخليه عن التكليف

بقلم نور الدين العلوي

لولا أن المعركة السياسية الدائرة في تونس حول تشكيل الحكومة بعد انتخابات أكتوبر 2019 تؤجل حياة التونسيين وتنفرهم من المشهد الديمقراطي، لقلنا إننا أمام لعبة شطرنج ممتعة، وإن الأدوار فيها تنقلب بشكل درامي.

لا وقت للشعب التونسي للفرجة، فقد زهد في الأمر وانصرف يتدبر أمره بلا حكومة. وفي تدبيره كثير من الحيل الفردية التي لا تعتمد القانون دوما، لذلك نكتب بكثير من الألم رغم أن الفرجة ممكنة.

اللحظة الحالية حكومة الفخاخ معلقة بخيط

وصل الفخفاخ إلى زنقة لا يُخرجه منها إلا راشد الغنوشي. لقد جاء متحمسا فوضع بطريقة عجولة عراقيل في طريقه عندما فرز بين مكونات المشهد البرلماني وقرر أن يعتمد في بناء حكومته على الأحزاب التي صوتت للرئيس دون سواها، أي تعمد إقصاء حزب قلب تونس وحزب عبير موسي. ونسي أو تناسى أن من فرزهم للحكومة ليسوا على وفاق في ما بينهم، وإن كانوا توافقوا على التصويت للرئيس سعيد.

الخلاف بين ذوي الحظوة عند الفخفاخ يفخخ حكومته الآن لذلك لا يفلح في التقدم بل وصل إلى خلاف مع حزب النهضة الذي رفض الإمضاء على مشروع الوثيقة المرجعية للحكومة يوم 3 فيفري هذا الخلاف أعمق مما تصور الفخفاخ رغم أنه كان شاهدا عليه قبل التعيين يعطل تكوين حكومة سلفه الحبيب الجملي.

تجاهل السيد الفخفاخ أن هناك مناخا من عدم الثقة بين حزب النهضة والأحزاب التي تزعم الانتماء للثورة وتصر على طهوريتها الثورية، دون شهادة من الشعب بذلك. (التصويت الضعيف بنظام أكبر البقايا هو الدليل على أن هذه الأحزاب ليست محل قبول شعبي، وأن خطابها الثوري لم ينطل على الناس).

تعمق الشك لما عملت هذه الأحزاب على تعطيل حكومة النهضة ووضعت شروطا قاسية في طريقها؛ انتهت بفشلها وإخراج حزب النهضة من موقع الحزب الأول المعني بالتشكيل. في تلك اللحظة انقلبت الموازين، وصار الخاسر رابحا والرابحون خاسرين، وزادوا فتأخروا في تقييم موقفهم، وظلوا يناورون بثورية مدعاة حتى وضعهم حزب النهضة في الزاوية، فإما أن يقبلوا بشروط النهضة الجديدة (بعد الجملي) أو أن يتحالفوا ضدها مع ما يعتبرونه العار السياسي القاتل (أي حزب قلب تونس)، أو أن يهربوا من الحكومة بشكل كلي ويختاروا المعارضة، وهو الاحتمال الذي يؤدي إلى إعادة الانتخابات، أي إعادة عرض أنفسهم على الناخب الذي تابع كل المناورات ويستعد للحساب رغم ما نتحسسه من قرف الناس من اللعبة برمتها.

في هذا الوضع يرفع حزب النهضة ورقة التهديد بالذهاب إلى الانتخابات، فهو يملك أن لا يصوت لحكومة الفخفاخ، ويبدو واثقا من أنه يجر معه كتلة قلب تونس وحزب الكرامة. ويقف الفخفاخ عاجزا عن بناء حزام سياسي لحكومته في هذا المناخ المسرطن سياسيا.

المواقف المتغيرة خففت على النهضة أعباء كثيرة

صدرت عن حزبي التيار وحركة الشعب مواقف مخففة من الثورية تجاه حزب قلب تونس، فقد “لحس” كلاهما الموقف الطهوري وحصرا الفساد في شخص القروي دون مكونات حزبه. وهذه المواقف الجديدة جاءت لتخفف عن النهضة حرصها على تشريك حزب قلب تونس في الحكومة، بما جعل الشارع يطرح السؤال: إذا لم يكن حزب القروي كله فاسدا فلماذا لا يدخل الحكومة فعلا؟ وغالب الإجابات عن هذا السؤال هي سؤال آخر: ماذا يبقى من حكومة مصغرة (24 إلى 25 وزيرا) كما قرر ذلك السيد الفخفاخ؛ إذا وزعت الحقائب بين الأحزاب بحسب الحجم البرلماني؟ وهي ورقة تضعها النهضة على الطاولة، مثبتة حقا دستوريا أعيد إليها بعد أن سقط عنها واجب التكليف الذي جعلها تتنازل للترضيات.

لقد تجلت حسابات المحاصصة عند الثوريين، وهو ما يفسر شروطهم الأولى على حكومة الجملي. حجم تواجدهم في الحكومة كان ولا يزال شاغلا أولا، وما الحديث عن الثورية إلا غطاء سياسي لم يعد ينطلي على المتابعين للمشهد. هنا تربح النهضة أيضا وتضع خصومها في زنقة. لقد أطلق السيد عبو الجملة الخطأ في الوقت القاتل، إذ قال: “إن تحالف حزبي النهضة وقلب تونس يجعل حزبه بلا وزن”. ولا نراه يقصد وزن الحزب في الشارع، بل في الحكومة.

لقد ظلوا طويلا يتهمون النهضة بالتغول والرغبة في الاستئثار بالسلطة وحدها، لكن تبين أنهم ينطلقون من نفس الرغبات والنوايا بما حرر النهضة من تهمة إضافية. فتخفيف الأعباء الأخلاقية على النهضة ساعدها على تصليب موقفها من المشاركة في الحكومة، إذ تجد نفسها في وضع فرض الشروط على الشركاء الذين لا يجدون مخرجا. فالقروي وراءهم وإعادة الانتخابات أمامهم، وهو ما لم يحسبوا له حسابا ليلة إسقاط حكومة الجملي، ويمكنهم الآن فهم الابتسامة القاتلة للغنوشي وهو يراهم من منصة رئيس البرلمان يصوتون ضد حكومته. في الأثناء لا تتجمع خيوط تشكيل الحكومة عند المكلف بل عند الحزب الأول، فهو يملك الحل والعقد.

أين الشعب في كل هذا؟

رغم أن كل ما يجري لا يزال تحت سقف الدستور، وأن الدولة تدار بالموجود (حكومة تصريف أعمال وقانون مالية مصادق عليه)، إلا أننا نسمع الناس يتحدثون عن خزعبلات الأحزاب، فحسابات الربح والخسارة الحزبية ليست شاغلا أول عند الشارع المنتظر.

إننا نشاهد قطيعة نفسية تتسع بين الطبقة السياسية وبين الشارع، فكأن كلا منهما جزيرة معزولة لا تشعر فيها الأحزاب بما يجري على جزيرة الشعب.

في حالة الغضب أو النفور الشعبي من الأحزاب نتحسس شعورا عاما، يقوم على أن الانقلاب الذي شهده موقف حزب التيار لجهة وضع شروط قاسية جدا على حكومة النهضة ثم التخلي عن كل شرط مع حكومة الفخفاخ؛ أسقط الكثير من رصيد الحزب لدى أوساط لا تصوت للنهضة وتأمل خيرا في نضوج التيار لتصوت له. لقد كلف تغيير الموقف التيار ثمنا كبيرا بعد. لقد تحول في وقت وجيز من حزب واعد إلى حزب بلا مبدأ، والثمن مشابه لحركة الشعب التي لينت موقفها من القروي بعد طول صراخ بالثورية، بما كشف نفاقا أو تناقضا، وفي أقل الأحوال انتهازية سياسية.

في وضع طرح الأسئلة عن نوايا الأحزاب، لا يجد الشارع تلك الرغبة العمياء في اتهام حزب النهضة بكل السوء، كما دأب على ذلك الإعلام المعادي لها. لقد غربل الشارع بقية الأحزاب ونخلها، ومن هنا سر تهديد النهضة بالعودة إلى الصندوق. لكن هذا لا ينقذ حكومة الفخفاخ، وعليه أن يذهب إلى الغنوشي مرات كثيرة أو يعلن تخليه عن التكليف ويعيد العهدة إلى الرئيس. ولا نراه يفعل، فالطموح كبير رغم أنه يفتقد إلى خبرة الشطرنج في الأوقات الضيقة، حيث يملك الغنوشي أن يستتيب خصومه في مقر حزبه ويقدم لهم الماء المعدني لترطيب حلوقهم.

annaharnews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: