حملة دولية جديدة بقيادة الإمارات تستهدف راشد الغنوشي: ضرب الرصيد الرمزي والشعبي

حملة دولية جديدة بقيادة الإمارات تستهدف راشد الغنوشي: ضرب الرصيد الرمزي والشعبي

في إطار الحملات الدولية المتعددة التي تظهر وتختفي وفقا للسياقات الدولية والمحلية، تسعى الإمارات العربية مُجددا للنيل من رئيس البرلمان التونسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بشكل مباشر وواضح وبتنسيق مع بعض الأطراف التي تشتغل بالوكالة في الداخل، ولكن هذه المرة بأسلوب أكثر بؤسا تحت يافطة “المساءلة” المشروعة.
وحيثُ أنّ استراتيجية “المساءلة” التي تعتمدها أطراف كثيرة في تونس على غرار “عبير موسي” التي تقوم بتوظيفها وفقا لحاجياتها السياسية وتلبية لطلبات إقليمية، فإن الهدف الرئيسي من هذه الحملة المُنظمة كما سنُبيّن ذلك، هو ضرب صورة “السياسي النظيف” والمناضل الذي قضى أكثر من عشرين عاما منفيّا ومُهجّرا من بلده بسبب معارضته لنظام بن علي، وطبعا وسط السياق التونسي الحالي الذي يشهد صعوبات اقتصادية كبيرة، (والتي تتزامن مع أزمة كورونا) يمكن أن يشغل هذا الموضوع بال التونسيين خصوصا وأنهم لم يتخلّصوا من صورة النظام السابق الذي تميز بالفساد والسطو وتفشي الرشوة والمحسوبية، ويمكن لأي “شبهة فساد” يتم ترويجها على مواقع التواصل الاجتماعي لأي شخصية سياسية أن تجد آذانا صاغية، بل وستجد منظمات جمعياتية ونشطاء يسعون للكشف عن الحقيقة وهو مظهر إيجابي في تونس الديمقراطية والحرية بعد الثورة شرط أن تكون الغاية الوحيدة منها كشف الحقيقة وليس تسوية حسابات سياسية.
المساءلة من حيث المبدأ:
لا نعتقد أن راشد الغنوشي الذي سبق له أن واجه هذه التهم ورفع قضايا بخصوصها وربحها ونال تعويضات عنها، قد يخشى المساءلة وقد سبق أن قبل بها في البرلمان التونسي الذي يرأسه، ولكن أن يتم اعتمادها كواجهة ووسيلة للنيل منه والتشكيك فيه وتشويه سمعته، قد لا يرضى أي شخص بذلك أبدا، وهذه الأزمة الأخلاقية التي ترتكز على قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” قد تؤدي لقلب المفاهيم بحيث أصبح المقاوم مخرباً، وطالب الحق مجرماً، والمناضل فاسدًا ومشكوكا في تضحياته.
شُبهة الفساد وضرب الرصيد الرمزي الشعبي
يُعرّف بيار بورديو “رأس المال الرمزي” بأنه المنزلة التي يكتسبها الفرد نتيجة امتلاكه لسمات مُحدّدة كالشرف والهيبة والشهرة والسمعة والتي تحظى بتقدير أفراد المجتمع، ويرى “فريديريك لوبون” أن “رأس المال الرمزي” يرتبط بأفراد المجتمع الذين يُقيمونه ويتعارفون على معاييره في (صناعة اللقب) أو (أن تكون معروفاً) أو (معترفاً به) وتُعبّر كلها على وجود أنماط مختلفة منه والذي يؤدي بدوره إلى الشهرة والوجاهة، وما لم يكن هذا الرصيد الذي يعتبره علماء السوسيولوجيا من أهم ثوابت “المكانة الاجتماعية” خاليا من الشُّبهات و”نقيًّا” من كل فساد، فلا قيمة للفرد “المؤثر” أو الزعيم السياسي في ذلك المجتمع.
وتُحاول وسائل الإعلام الدولية المعادية للإسلام السياسي، وأتباعها في تونس تحطيم هذه المكانة تدريجيا منذ اندلاع الثورة وذلك خوفا من انتقال نموذج الحكم الديمقراطي للمناطق السوداء (المونارشية) وعلى رأسها إمارتي أبو ظبي ودبي.
وأنجع الطُرق المعروفة للقيام بهذه المهمة وأسهلها، هي الربط بين الشخصية السياسية والفساد او الاستثراء غير المشروع او تهم تبييض الأموال وتسويقها على المستوى الشعبي الذي “يهوى” استهلاك الفضائح والتسريبات حتى دون تثبت، وخصوصا في السياق التونسي الحالي الذي سئم من الصراعات السياسية والفساد الذي استشرى بينها.
إطلاق الحملة المزعومة
عبر حساب “فايسبوك” غير مُتداول وشخصية غير معروفة أطلق “أنيس المنصوري” عريضة إلكترونية تُطالب بالكشف عن ثروة الغنوشي يوم 9 ماي 2020 ولم تجد تجاوبا في الوسط التونسي لعدم اهتمامه بهذه التّهم الكثيفة التي يتم توجيهها مؤخرا لراشد الغنوشي، حتى أن صاحب المبادرة نفسه نشر على حسابه تدوينة ينتقد فيها “الصمت الإعلامي التونسي” وعدم ترويجه لهذه العريضة الالكترونية، التي تحولت بعد أيام لحملة “من أين لك هذا يا غنوشي”.

وبعد أسبوع تقريبا يأتي الدعم الخارجي للعريضة من الإعلام الإماراتي وأذرعه الخفية الجديدة حيث أنك بمجرد كتابة “الغنوشي أو “راشد الغنوشي” في محرك البحث “قوقل” إلا ووجدت هذه المعطيات في مقدمة البحث:
– العربية
– سكاي نيوز عربية
– Middle East Online

وبمزيد تعميق البحث اعتمادا على تقنيات البحث المعمق في محرك “قوقل” نجد نفس “الماكينة” الإعلامية تقوم بنفس العمل:
– بوابة الأهرام المصرية (تابعة لجوقة نظام السيسي)
– العربية (إماراتية)
– قناة الغد (إماراتية تبث من القاهرة-مصر)
– صحيفة عُكاظ (سعودية ورئيس تحريرها جميل الذيابي صديق محمد بن زايد)
– الشرق الأوسط (رغم حيادها المُعتاد إلا أنها نشرت المقال في شكل خبر وكان جميل الذيابي يعمل بها كصحفي)
– روسيا اليوم (الحليف الجديد للإمارات خاصة في كل ما يتعلق بشمال افريقيا)
– سبوتنيك عربي وهي الذراع الروسي في العالم العربي
– حفريات (موقع إلكتروني تابع لمركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي القاهرة وهو المحرك الرئيسي لبيت الخبرة الإماراتي مؤمنون بلا حدود).
– الحدث (التابعة للعربية)
– العرب (مقرها كان في لندن) والتابعة للإمارات
– العين الإخبارية (البوابة الإخبارية التي تعبر عبرها الإمارات عن موافقها وسياساتها غير الرسمية)
– صواب الرأي وهو موقع إماراتي لا يحمل أي أثر ولا تجد أي معلومة في الخانة المخصصة للتعريف (من نحن) ولكنه يضع في الافتتاحية أنه يعمل على الاسهام في الجدل الحالي في كل ما يتعلق “بالإسلام السياسيّ أحزابا وتيّارات وتنظيمات دعويّة وخيريّة وإيديولوجيّات متنوّعة”، وهو يقوم يوميا بنشر مقالات تشويه وتحريف بغاية التأثير في الرأي العام وتوجيهه وكل هذا مدعوم بالإشهار على وسائل التواصل الاجتماعي (sponsoring).

وتأتي هذه الحملة طبعا والتي يصفها المتابعون للشأن الدولي بالكاموفلاج (camouflage) وهو مُصطلح مُتداول كثيرا في الوسط العسكري ويعني الإخفاء أو التمويه، مع المتغيرات الإقليمية للتغطية على هزائم محور طبرق (حفتر( المدعوم إماراتيا (ماليا ولوجستيا) ومصريا (خبرات عسكرية) ومن خلفهما الجناح الروسي والفرنسي، أمام قوات الوفاق المعترف بها دوليا والتي نجحت في السيطرة على قاعدة الوطية الجوية والتي اعتمدها “محور طبرق” كنقطة ارتكاز استراتيجي للهجوم على العاصمة طرابلس و”احتلالها”.
كما تتزامن مع الدعوات المحليات التي تطلقها أطراف مختلفة لتغيير النظام ومنح صلاحيات أوفر لرئيس الجمهورية الحالي “قيس سعيد” والذي انخرط بنفسه في موجة التأليب ضد الأحزاب ومؤسسة البرلمان.
-حملات التشويه القديمة والمتجددة: التونسيون لا يعرفون عنها شيئا
لا يعرف التونسيون عن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي إلا حملات التشويه التي شنها الخصوم السياسيون ووسائل الإعلام الدولية والمحلية ضده منذ اندلاع الثورة التونسية سنة 2011، وذلك بسبب طلبه اللجوء السياسي خارج أرض الوطن بعد حملات الملاحقة للمعارضين السياسيين التي شنها نظام زين العابدين بن علي.
أي نظريا يمكن أن تروي للتونسيين ما تشاء من قصص خيال علمي حول الرجل وخصوصا فيما يتعلّق بالثروة والمال، وهو ما جعل هذا الأخير يرفع مئات الدعاوي القضائية ضد الصحف والقنوات التلفزية التي عملت على تشويهه وربحها كلّها (لا تتسامح الدول الغربية مع الثلب والتشويه) لعلّ آخرها “ذي اندبندت” الصحيفة البريطانية التي قدّمت اعتذارها (بتاريخ 9 أكتوبر 2012) على خلفية تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم بتاريخ 28 أوت 2012 مع الصحفي “روبرت فيسك” التي جاء فيها أن الأمير القطري “تميم بن حمد” موّل حركة النهضة بمبلغ قيمته 150 مليون دولار لقيام بحملتها الإنتخابية. وقد علّق راشد الغنوشي آنذاك على هذه الإعتذار الرسمي كالآتي:
“I am pleased that The Independent has apologised over the wholly false allegation about An Nahda and myself. I welcome that the newspaper has set the record straight and made clear that neither I nor my party have accepted any donation from a foreign state.”
“يسرني أن اعتذرت صحيفة “ذي انديبندت” على ادعاء كاذب كليا حيال حركة النهضة و حيالي. و في الوقت الذي أرحب فيه بأن الصحيفة قد وضعت الأمور في نصابها أود أن أوضح أنه لا أنا ولا حزبي تلقينا أي تبرع من دولة أجنبية.”
وقد سبق أن دفعت قناة العربية للغنوشي مبلغا يقدر بـ415,971 دينارا تونسيا، و كذلك ضد صحيفة العرب التي دفعت غرامة سنة 2003 تقدر ب 154.000 دينارا تونسيا ولكنها الآن غيّرت مكاتبها من لندن إلى الإمارات حيث لا يمكنك أن تشتكي ويُمكنها أن تُواصل التشويه والثلب.
نُسخة من إعتذار صحيفة ذي اندبنت لراشد الغنوشي:
الحملة الخطيرة وأبعادها:
أحد أخطر أبعاد هذه الحملة المُصمّمة والمُبرمجة جيدا، هو خلق هوّة بين زعيم حركة النهضة والحاضنة الشعبية ورفع مستوى الكراهية الجماهيرية له خصوصا مع الطبقات الشعبية المُفقّرة والتي تتأذى من كلّ من يسلب أموالها، وللأسف لم نشاهد نفس وسائل الإعلام تقوم بخدمة جليلة للشعب التونسي للدفاع عن مصالحه ومساعدته لاستعادة أمواله المنهوبة من نظام زين العابدين بن علي وعائلته التي اضطرت للهرب للسعودية وحوّلت كل الأموال للبنوك الأجنبية.
أمام كلّ هذا التخاذل العربي الذي يريد نسف التجربة التونسية، يجب أن نُسلّط الأمر على أمر هام:
راشد الغنوشي لم يتولى أي مسؤولية رسمية في الدولة التونسية منذ عودته بعد الثورة، ولم يستولي على أية أموال للشعب التونسي خلافا لكثير من السياسيين الحاليين والسابقين، ويمكن لأجهزة الدولة أن تقوم بواجبها للكشف عن أملاكه وقد قام بالتصريح عليها بموجب القانون لحظة توليه أول منصب (رئيس البرلمان) منذ شهر ديسمبر 2019 أي منذ ستة أشهر فقط، وبموجب قانون النفاذ إلى المعلومة أيضا يمكن الإطلاع على تلك المعطيات في أي وقت.

رأي الكاتب جهاد دليل

admin3407

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: